لبنان وإسرائيل.. وإلغاء «الترسيم البحري»
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

على الرغم من مُضي أكثر من ثلاثة أشهر على توقيع التحالف الثلاثي بقيادة شركة «توتال» اتفاقيةً لاستكشاف الغاز في البلوك «رقم 8» بجنوب لبنان، فإن الشركة لم تبدأ بعدُ بإجراء المسح الثلاثي الأبعاد للمنطقة، وهو يتيح تحسين المعرفة الجيولوجية والتقنية، وتقييم الفرص المتاحة، وذلك قبل اتخاذ قرار حفر أول بئر للغاز. ويعود السبب إلى التوترات الأمنية، في ظل اشتباكات قتالية بين «حزب الله» والجيش الإسرائيلي الذي احتل مساحات كبيرة في البر الجنوبي متاخمة للحدود البحرية، التي تقع فيها بلوكات الغاز رقم 8، و9، و10. 
وفي الوقت ذاته، تدرس الحكومة الإسرائيلية خياراتٍ قانونيةً وسياسيةً، لإلغاء اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع لبنان، والتي أُبرِمت في 27 أكتوبر 2022، وقد وصفها وزير الطاقة «إيلي كوهين»، الذي أكد إمكانية إلغائها، بأنها تُمثّل «وثيقة استسلام»، وأن إسرائيل تنظر في إلغائها بحجة عدم تحقيق الأهداف الأمنية المرجوّة منها، مع استمرار الاشتباكات القتالية. وتتهم تل أبيب الجانب اللبناني بعدم الالتزام بالتعهدات الأمنية على الحدود الجنوبية، وترى أن هذه الاتفاقية منحت لبنان مساحاتٍ بحريةً وحقوقاً واسعة، مقابل تنازلات إسرائيلية غير مُجدية. 
وخلافاً لما يدّعيه الوزير الإسرائيلي كوهين، بوجود «تعهُّد غامض» بالتزام لبنان «تحسين أمن إسرائيل»، فالواقع يشير إلى أن النَّص ليس اتفاقاً أمنياً كما تدَّعي إسرائيل، فجوهره يدور حول أربعة عناصر، هي: تثبيت خط الترسيم البحري، الإبقاء على الوضع القائم قرب الشاطئ من دون المساس بالنزاع البري، تنظيم استكشاف واستغلال المكمن العابر للخط في البلوك رقم 9، وأخيراً إحالة أي خلافات في التفسير والتنفيذ، إلى مناقشات تسهِّلها الولايات المتحدة الأميركية.
وفي هذا السياق يَظهر بشكل واضح، أن الاتفاقية تخلو من أي تعهُّد أمني مباشر بحماية إسرائيل كما تدَّعي. 
 أما بالنسبة لإلغاء الاتفاقية أو تعديلها، فهو يتطلب موافقةَ الطرفين، إضافة إلى موافقة حكومة واشنطن التي قامت بدور «الرعاية» وتقوم حالياً بدور «الوصاية» على الخطوات التنفيذية، وفقاً للبنود الواردة فيها. لكن لا بدّ من الإشارة إلى أنه في حال الإلغاء، فسيعود النزاع الحدودي إلى الواجهة مُجدّداً، مما يتيح للبنان إعادةَ طرح حقوقه في مناطق أوسع، والمطالبة باعتماد الخط 29 بدلاً من الخط 23 المُعتَمد في الاتفاقية. لكن في المقابل سيؤدي الإلغاء إلى احتمالية توقُّف أنشطة استكشاف واستخراج الغاز في البلوكات البحرية الجنوبية. 
واللافت، حتى الآن، أنه لا إلغاء رسمياً للاتفاقية، ولبنان متمسِّك بها، وهذا ما يؤكده وزير الطاقة اللبناني جو الصدي، الذي أشار إلى أن اتفاقية الترسيم لا تزال سارية ولا يوجد أي تغيير بشأنها. إلا أن إسرائيل تريد فرضَ أمر واقع يعدّل الحدودَ البحرية بصورة غير رسمية، على غرار ما فعلته بالحدود البرية من خلال إفقاد لبنان سيطرته على الأرض ومنع السكان من العودة إلى قراهم. ولذا فإن قرار الجيش الإسرائيلي استحداث منطقة أمنية بحرية، يهدف إلى سحب المنطقة من تحت السيطرة اللبنانية، وإفقاد لبنان قدرتَه على استئناف العمل في البلوكات الثلاثة، من دون أن تدخل إسرائيل في نزاع قانوني على الحدود. وهذا علماً بأن إنشاء منطقة عازلة بريّة تصل إلى بلدة البياضة، يأتي تحت شعار «منع تهديد (حزب الله) لبلدات الشمال الإسرائيلي»، مما دفع القوات الإسرائيلية إلى رسم خط دفاع بحري يتخطّى نقطة الخط 23.
 


*كاتب لبناني متخصّص في الشؤون الاقتصادية



إقرأ المزيد