جريدة الإتحاد - 6/20/2026 12:46:04 AM - GMT (+4 )
بعد توقيع الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة، ونتيجة لذلك، يبدو الرئيس الأميركي دونالد ترامب منتشياً بالنصر، لكنه يحاول مداراة ما كان في الحقيقة فشلاً: حرب استمرت 106 أيام لم يحقق في نهايتها الأهداف المطلوبة. فالواقع أنه لم يحدث أي تغيير في النظام الإيراني، ولم يتم استبداله بنظام ديمقراطي أو نظام موالٍ للولايات المتحدة. ولم يتم تفكيك البرنامج النووي الإيراني بشكل كامل. صحيح أن إيران ضُربت وأُضعفت، لكن شوكة النظام اشتدت.
وصحيح أيضاً أن إيران التزمت بعدم امتلاك أسلحة نووية. غير أن الأمر يتعلق هنا بالتزام سبق لها أن تعهدت به حينما وقعت معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية في إطار اتفاق 5+1 في يوليو 2015، وهو الاتفاق نفسه الذي انسحب منه ترامب في عام 2018. لقد أظهرت هذه الحرب أن دولة أضعف عسكرياً يمكنها أن تقاوم الضغوط الأميركية وتتخذ في حقها إجراءات مضادة –من قبيل ضرب حلفائها وفرض حصار على مضيق هرمز- ما يبرز قدرة هائلة على إحداث الأذى.
ولهذا، فإن آفاق إعادة فتح مضيق هرمز تمثّل متنفساً للاقتصاد العالمي. كما أن توقف القصف الإيراني سيسمح لدول الخليج باستئناف نشاطها الطبيعي. وبالمقابل، سيتم رفع العقوبات الأميركية، مما سيوفر متنفساً اقتصادياً لإيران. ومما لا شك فيه أن حقيقة أن وقف إطلاق النار يشمل لبنان يعتبر تحقيقاً لهدف إيران. فترامب يريد الآن أن يفرض على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وقف الضربات على لبنان، في حين يواجه نتنياهو معضلة بالغة الصعوبة.
فإما أن يرضخ لترامب، فيعرّض نفسه لتهمة عدم الاستقلالية على الساحة السياسية والإعلامية الإسرائيلية، وإما أن يخرج عن صف واشنطن، فيخاطر في تلك الحالة بتعرضه لإجراءات انتقامية قاسية جداً من ترامب. والأكيد أن هذه الحرب ستترك آثاراً على العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل. من جانبها، تكبدت إيران أضراراً جسيمة، وستواجه صعوبة في إعادة بناء دفاعاتها.
غير أن طهران استطاعت إحداث الأذى، وهي قدرة ستظل راسخة في الأذهان. أما البلد الذي سيخرج منتصراً من هذه الأزمة في الوقت الراهن، فهو باكستان، ذلك أنها نجحت في تحقيق اختراق دبلوماسي بشأن موضوع بالغ التعقيد، مما شكّل مصدر ارتياح للعالم بأسره.
وفور الإعلان عن الاتفاق، انخفضت أسعار النفط وبدأت أسعار العديد من المواد الخام في الانخفاض وأسواق الأسهم في الانتعاش. بيد أن معظم معظم قادة العالم يرون أن هذه الحرب التي استمرت تفاصيلها 106 أيام كانت كارثية، ولا سيما لأننا سنعود في نهاية المطاف إلى وضع كان من الممكن الوصول إليه بالوسائل الدبلوماسية، من دون هذه الحرب التي أثقلت كاهل كل اقتصادات العالم.
لكنهم سيسارعون جميعا لتهنئة ترامب الذي سيشعر بالإطراء، لأنهم يعلمون جيداً أنه لا بد من إطرائه من أجل تحقيق السلام. وفي النهاية، يظل هذا الاتفاق هشاً، غير أن ميزته أنه يضع حداً للقتال وللحصار المفروض على مضيق هرمز، واللذين لو استمرا لأدّيا إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية العالمية. نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس قال: «إن رسالتي الأولى موجهة إلى الشعب الأميركي.
شكراً لكم. فبفضل صبركم، أعتقد أننا حللنا مشكلة كانت تسمّم هذا البلد منذ فترة طويلة قبل ولادتي». وبحسب قوله، فإن مشكلة البرنامج النووي الإيراني التي ظلّت تثقل كاهل العالم منذ فترة طويلة إنما حُلّت بفضل ترامب. لكن هذا غير صحيح. بل إن هذه الفكرة، في الواقع، تتماهى تماما مع نهج ترامب الدبلوماسي الذي يقوم على فكرة أن الواقع لا يهم، بل ما يهم هو ما يشعر به الناس وما يقال لهم، لأن القناعات واليقينيات أهم من الواقع. غير أنه يظل من الأفضل مع ذلك أن يهنّئوا أنفسهم، ويعلنوا الانتصار، ويضعوا حداً لهذه الحرب التي كانت تزداد خطورةً وكارثيةً من الناحية الاقتصادية.
*مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس.
إقرأ المزيد


