جريدة الإتحاد - 6/20/2026 1:10:24 AM - GMT (+4 )
تتغير الأسواق باستمرار، ومعها تتطور أساليب التمويل. وقد اكتسب الاستثمار عبر صناديق المؤشرات شعبية استناداً إلى تجارب تدعم كفاءة الأسواق. وفي السابق، كان تحديد الشركات المؤهلة للإدراج في المؤشرات الرئيسية عملية واضحة نسبياً، إلا أن هناك الكثير من الجدل الآن حول تلك القرارات، مما يثير سؤالاً آخر: هل أصبحنا جميعاً مستثمرين نشطين الآن؟
أولاً، يجب الانتباه لفرق جوهري، وهو أن الاقتناع بكفاءة الأسواق لا يعني بالضرورة الاعتقاد بأن الأسعار «صحيحة» دائماً. حيث يعني الافتراض المسبق بكفاءة الأسواق ببساطة أن الأسواق بارعة في دمج المعلومات في الأسعار، أو أنها أفضل من أي بديل آخر. لذلك، يصعب التفوق على السوق باستمرار من خلال اختيار الأسهم المنفردة. وبدلاً من ذلك، ينبغي على المستثمرين شراء صناديق استثمارية سلبية تتبع مؤشراً معيناً، مثل مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» أو مؤشر «ناسداك 100»، حيث تمثل تلك المجموعات السوق ككل.
وتُشير العديد من الدراسات الاقتصادية إلى أن امتلاك جميع الأسهم، بناء على حجمها، يُقلل المخاطر ويُحقق عوائد أعلى عادة من اختيار أسهم فردية. ولا يتطلب ذلك مهارات خاصة، لذا لا يحتاج المستثمرون إلى دفع تكاليف أبحاث السوق. وتوفر صناديق الاستثمار السلبية (القائمة على التروي في جني المكاسب) تنوعاً بتكلفة منخفضة لأنها تتبع المؤشر المرجعي بأكبر قدر من الدقة. لكن مسألة تحديد الشركات التي تُدرج في المؤشر أصبحت أكثر تعقيداً.
فالأمر لا يقتصر على أكبر الشركات حجماً. وفي الواقع، لم يكن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» يضم أكبر الشركات فحسب، إذ تشير دراسة حديثة إلى أن 380 شركة فقط من بين أكبر 500 شركة أميركية مدرجة فيه. وهناك معايير أخرى غير الحجم، لكن أهميتها لم تكن واضحة حتى وقت قريب.
فمثلاً، لن تُدرج شركة «سبيس إكس» في مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» لمدة عام على الأقل، وربما لن تدرجها أبداً، لأن الشركة لا تستوفي متطلبات المؤشر فيما يتعلق بالربحية. ويترتب على هذا القرار تكلفة، إذ تشير التقديرات إلى أن المؤشر سيحقق ما يُعرف بـ«نسبة شارب» أقل، وهي مقياس يقارن عائد الاستثمار بمستوى مخاطره، مقارنة بما لو كان يتتبع أكبر 500 شركة. وتكتسب هذه القرارات المتعلقة بمكونات المؤشر أهمية متزايدة مع تغير الأسواق.
فمن جهة، أصبح السوق أكثر تركيزاً، حيث تتركز فيه أسهم قليلة في قطاعات متشابهة، مما يعني تنويعاً أقل. ومن جهة أخرى، تتجه الشركات إلى طرح أسهمها للاكتتاب العام في مراحل متأخرة، وتكون أكبر حجماً وأقل احتمالاً لتحقيق الربحية عند طرحها، لا سيما إذا كانت مدعومة برأس مال خاص. ومنذ عام 1980، تضاعف متوسط عمر الشركات عند طرحها للاكتتاب العام، من 6 سنوات إلى 12 سنة. وآنذاك، كانت 91% من شركات التكنولوجيا التي طرحت أسهمها للاكتتاب العام تحقق أرباحاً، مقارنة بـ 24% فقط في عام 2025. وفي ثمانينيات القرن الماضي، تراوحت القيمة السوقية للشركة في اليوم الأول لإغلاق اكتتابها العام عادةً بين 20 و40 مليون دولار.
وخلال السنوات القليلة الماضية، تراوحت قيمتها بين 100 مليار و400 مليار دولار. وتعتبر تلك التطورات أسباباً قوية لتوخي الحذر والتروي، فالشركات الأقدم والأعلى قيمة، رغم ضعف ربحيتها، قد تُدرج في المؤشرات الكبرى قبل طرحها في الأسواق العامة والاستفادة من المعلومات المُسعرة. ويرى هانو لوستيغ أستاذ التمويل في جامعة ستانفورد أن ذلك يفرض تكلفة على المستثمرين، لأن كثيراً من الشركات تطرح أسهمها بأسعار مرتفعة ثم تفقد جزءاً من قيمتها خلال الأيام التالية مع تحسن عملية التسعير في السوق. فالمستثمرون في الأسواق الخاصة لا يهتمون دائماً بالربحية، بل يركزون على النمو. أما المستثمرون في الأسواق العامة فيتوقعون في نهاية المطاف رؤية تدفقات نقدية حقيقية.
وارتفعت أسهم «سبيس إكس» مؤخراً، مما يُظهر قرار مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بصورة سلبية. لكن قد يستغرق الأمر عاماً على الأقل حتى تستوعب الأسواق العامة المعلومات.
كما أن العديد من قيم الاكتتابات العامة الأولية المرتفعة لا تصمد، ففي المتوسط، بعد ثلاث سنوات من أول يوم تداول، تنخفض أسعار أسهم الاكتتابات العامة الأولية بنسبة 25%. وإذا تضمن مؤشر ما سهماً جديداً، فمن المحتمل أنه دُفع فيه أكثر من قيمته الحقيقية.ويدفع ذلك صناديق الاستثمار السلبية إلى الانحراف عن المؤشر، أو يدفع المؤشرات إلى تبني معايير جديدة للإدراج.
وفي كلتا الحالتين، ستكون هناك حاجة إلى مزيد من التقدير البشري، ما يتطلب مزيداً من البحث والكفاءة، وربما مزيداً من الرسوم التي ستظل أقل من تلك التي يدفعها المستثمرون للمديرين النشطين، الذين قد لا يكون تقديرهم أفضل بكثير. لذا، في الوقت الحالي، يظل الخيار الأكثر أماناً البقاء مع صناديق المؤشرات، حتى وإن لم تعد سلبية تماماً. *كاتبة متخصصة في الشؤون الاقتصادية- زميلة بارزة في معهد مانهاتن.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


