السلوك الخفي وبناء الوعي الوطني
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

تُبنى الفلسفة التربوية على تأمّلٍ عميق في كيفية تشكّل الإنسان فكرياً وقيمياً، حيث لا تُختزل التربية في حدود نقل المعرفة أو ضبط السلوك الظاهر، بل تتجاوز ذلك إلى تشكيل البُعد الداخلي للفرد وصياغة منظومته الفكرية والأخلاقية.

ومن هذا المنطلق، تُعدّ التربية عمليةً تكاملية تقوم على ممارساتٍ خفية تتسرّب عبر التفاعل اليومي، لتُسهم بصورة غير مباشرة في تشكيل العقلية والنفسية والوعي الوطني للإنسان. ويُعدّ السلوك الخفي أداةً من أدوات الفلسفة التربوية المعاصرة في فهم عملية التعلّم وبناء الإنسان، إذ لا يقتصر دوره على كونه نتاجاً غير مرئي للتجربة اليومية، بل يُنظر إليه بوصفه إطاراً تربوياً يسهم في تشكيل الوعي الداخلي للفرد، وتوجيه ممارساته السلوكية من منطلقٍ قيمي وفكري يعزّز الانتماء للوطن، ويُرسّخ الهوية الوطنية في النفوس بصورةٍ تتجاوز الشعارات إلى الممارسة اليومية.

وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، تتجلّى التربية الوطنية الحقيقية في السلوك قبل الخطاب، وفي الممارسة قبل التوجيه، إذ لم تُبنَ الهوية الإماراتية على الأقوال المجردة، بل على نماذج عملية جسّدت قيم العطاء والانتماء والتسامح والالتزام والمسؤولية. ومن هنا، يغدو السلوك الخفي إحدى أهم الوسائل التي تنتقل عبرها روح الوطنية من جيلٍ إلى آخر، حين يرى الأبناء في محيطهم احترام النظام، والإخلاص في العمل، والمحافظة على المكتسبات الوطنية، والاعتزاز باللغة والهوية والثقافة الإماراتية. فالتربية القائمة على هذا السلوك الخفي جعلت الوطنية عند أبناء الإمارات ليست مجرد شعورٍ يُقال، بل منظومةً أخلاقيةً متجذّرة في الوعي، تظهر في تفاصيل السلوك حتى في غياب عين الرقيب، لأن الانتماء الحقيقي يقود الإنسان من الداخل قبل أي رقابةٍ خارجية.

وما الناشئُ إلا نتاجٌ تراكميّ لسلسلةٍ من السلوكيات والخبرات التي كوّنت بناءه الشخصي، ووجّهت وعيه العقلي والأخلاقي والوطني، ليبدأ بدوره في استكمال الدورة السلوكية وإعادة إنتاجها داخل محيطه الاجتماعي. فكما تستمر الحياة في حركةٍ متجددة، تستمر القيم والسلوكيات في الانتقال بصورةٍ ظاهرة وخفية، فيتحوّل الإنسان من متلقٍّ للسلوك إلى مُعيدٍ لإنتاجه، حاملاً معه ما اختزنه من ممارساتٍ ومعايير تُسهم في تشكيل وعي الآخرين وسلوكهم، فتغدو التربية دورةً سلوكية متصلة يُعاد بناؤها عبر الأجيال، وتحافظ من خلالها المجتمعات على هويتها الوطنية واستقرارها القيمي.

وإذا كان السلوك الخفي يؤثِّر بعمق في تشكيل الأخلاق والانتماء، فإن التساؤل حول الجهة المسؤولة عن هذا التأثير يظل مطروحاً. وتكمن الإجابة في الطبيعة التشاركية للمسؤولية التربوية، إذ يتحمّل كل من يمارس تأثيراً سلوكياً في محيطه مسؤوليةً أخلاقية ووطنية تجاه ما ينقله من قيم وسلوكيات. وينسجم هذا التصور مع مبدأ المسؤولية الشاملة الذي يؤكد أن كل فرد يُعدّ راعياً في موقعه، ومسؤولاً عن الأثر التربوي والأخلاقي والوطني لسلوكه فيمن يقع ضمن نطاق رعايته وتأثيره.

وعليه، فإن الوعي بهذه التساؤلات وتحمُّلنا المسؤولية الأخلاقية والوطنية عن السلوك الخفي الذي نمارسه يفرضان علينا ضرورة ردم الفجوة بين القول والفعل، بوصفها شرطاً أساسياً لتحقيق الأثر التربوي المنشود. فالسلوك الخفي لا يؤتي ثماره التربوية والوطنية إلا حين تنسجم القيم المعلنة مع الممارسات الفعلية، ليصبح الانتماء للوطن ممارسةً يومية تنعكس في الأخلاق والعمل والوعي والمسؤولية.

*محاضر- جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.



إقرأ المزيد