الولايات المتحدة تشنّ السلام على إيران!
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

لو كان الرئيس ترامب يريد إكرام إيران، فلماذا شنَّ عليها تلك الحرب الشعواء؟ وهل كان قاليباف مُحقّاً عندما اعتبر أنه هزم أميركا «شرَّ هزيمة»؟! شنّت الولايات المتحدة الحرب على إيران، مصطحبةً معها إسرائيل، لتحقيق عدة أهداف: إنهاء الملف النووي الإيراني، وإنهاء قصة الأذرع، وإنهاء الباليستي، وفي الخفاء إسقاط أو تغيير النظام إن أمكن.

    لقد ردَّت إيران على الحرب الشعواء التي اعتبرها الرئيس ترامب أعظم الحروب التي قام بها أعظم جيوش العالم، بإطلاق آلاف الصواريخ والمسيَّرات على دول الخليج العربية، وعلى إسرائيل، وسدّت مضيق هرمز. واستثارت الأذرُعَ وعلى رأسها «حزب الله» في لبنان، والذي تبادل الضربات مع إسرائيل، في حين احتلت الأخيرة نصف الجنوب اللبناني وقتلت أربعة آلاف شخص، وهجَّرت مليون نسمة (أو أكثر) من سكان الجنوب. وردَّ ترامب فوراً بحصار المضيق والأفرُع بحاملات الطائرات وآلاف جنود البحرية وسفنها الحربية المسلَّحة. لكن يتبيّن من كل بنود الاتفاق الإطاري أنّ جميع الملفات التي شُنت الحرب من أجلها لا تزال في خضّم التفاوض عليها خلال هدنة الستين يوماً.

وحتى مضيق هرمز الذي فرح العالم بفتحه وبأن قصة الرسوم انتهت، تقول إيران - دون أن تخالفها الولايات المتحدة - إنها ستنظم إدارته، وإن رسوماً ستُدفع أو بدأ دفعها. وليس هذا فقط، فبين البنود العجيبة أن أميركا لن تُعيد فقط أموالَ إيران المحتجزة، بل وستمول بثلاثمائة مليار دولار عمليات إعادة إعمار إيران، إضافةً للطمأنة بعدم تجدد الحرب والقدرة على تصدير نفطها من دون حواجز ولا عوائق.

   ألْهى ترامب العالم وألْهى لبنان والعرب بأنه يختلف يومياً مع إسرائيل. وإسرائيل لديها مبالغات في الأهداف، فهي لا تريد إنهاء النووي فقط، بل وتغيير النظام الإيراني إن أمكن(!). لكن عندها ملف مشتعل بالفعل، وهو الحرب الإيرانية عليها من خلال «حزب الله». ترامب وإيران أمرَا بوقف النار بين إسرائيل والحزب، لكن إسرائيل رفضت الوقفَ إلا بعد نزع سلاح الحزب، والحزب رفض إلا بالعودة إلى ثنائيات التبادل: تتوقفون فنتوقف، لكننا لن نتوقف إلا إذا انسحبتم من الألف كيلومتر التي احتللتموها! والمصيبة ليست هنا فقط، فالولايات المتحدة طالبت لبنان قبل ثلاثة أشهر بالتفاوض المباشر مع إسرائيل، باعتباره دولةً مستقلةً تملك زمام الحرب والسلم.

وقد استجابت الدولة اللبنانية لذلك ومضى ممثّلوها إلى واشنطن للتفاوض مع إسرائيل على الهدنة والانسحاب والسلام. بيد أن المفاوضات لم تتقدم، لأن الدولة اللبنانية لا تستطيع كبح جماح الحزب المأمور من إيران. فماذا يفعل لبنان الآن وترامب يقول إنه سيتفاوض مع الحزب، كما أعطى إيران عملياً حقَّ التفاوض باسم الحزب أو باسم لبنان؟ منذ أكثر من ثلاثين عاماً يريد لبنان الخروج من السطوة الإيرانية، وظن أن أميركا معه، لكنها تخلّت عنه، ولا ندري ماذا سيقوله الأميركيون لرئيس لبنان عندما يزورهم بعد أسبوعين؟     اتفاق ترامب مع إيران يشبه الاتفاقات على سلامٍ دائم. وهو الأمر الذي كان أوباما قد بدأه في اتفاق عام 2015 وأبطله ترامب عام 2018! وقد أعلن الأوروبيون عن سرورهم لأنهم ظنوا أن مضيق هرمز سينفتح من دون عقبات. لكن الواقع ليس كذلك، إنما سيظلون يُظهرون السرور لأنهم صاروا يعرفون أن الصمود في وجه رسوم ترامب وضرائبه ممكن، وهم محتاجون إليه في الحرب الروسية الأوكرانية، وسيسكتون على دفع رسوم هرمز ليروا إلى متى يمتد حبل المفاجأة هذا؟

    يبدو أن ترامب اعتبر الحرب فاشلةً في إخضاع إيران، فأراد أن يشنّ عليها السلام(!). أما الواقع فهو أنّ سلطات ولاية الفقيه والحرس الثوري لا تعترف لأحدٍ بشيء، بدليل أن قاليباف يقول الآن إنهم هزموا الولايات المتحدة.. لكن متى؟ وكيف؟ لا أحد يعرف، لكن تصرفات الرئيس الأميركي شجعتهم على ذلك!  

  لدى العرب ملف كبير ناجم عن الاعتداءات الإيرانية وسوء العلاقة واختراق الدول وتدميرها. وما حكَّ جلدك مثل ظفرك. ما كان العرب مرحّبين بحرب ترامب على إيران. وهو وأساطيله يستطيعون مغادرة المنطقة، أما العرب فباقون، ولذا فلا بدّ من مبادرةٍ تجمع بين الشجاعة والحكمة، وستكون نتائجها ولا شكّ أفضل من ترامب وتحالفاته المتقلبة، وصانع الصفقات ومبدّدها!

*أستاذ الدراسات الإسلامية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية



إقرأ المزيد