جريدة الإتحاد - 6/20/2026 11:49:03 PM - GMT (+4 )
لا يوجد ملعب كرة قدم في العالم يُضاهي ملعب أزتيكا، الذي شُيد قبل ستة عقود، وهو الملعب الوحيد الذي استضاف كأس العالم ثلاث مرات. رائع وعملي في آنٍ واحد، وقد صُمم لغرض واحد فقط: الاحتفاء بكرة القدم.
ومع انتهاء النشيدين الوطنيين للفريقين خلال المباراة الافتتاحية بين المكسيك وجنوب أفريقيا الأسبوع الماضي، ألقى 80 ألف مشجع بشكل عفوي القبعات التي وُزعت عليهم عند البوابات على أرض الملعب. فكانت النتيجة أكواماً من الكرتون تشبه حركة الشلال متعدد الألوان، في حركة بصرية مدهشة بدت غريبة وبديعة في آن واحد.
أما خارج الملعب، في الساحات العامة في المكسيك وفي ملايين المنازل في جميع أنحاء البلاد وفي الولايات المتحدة، حيث يعيش ملايين المكسيكيين، تلاشت التحديات التي تواجه البلاد واستقطابها السياسي وقلقها، ولو لساعتين فقط. وكانت بمثابة هدنة من نوع ما، فيما تبدو وكأنها لحظة مصالحة أتاحتها الرياضة.
وتُعبِّر اللحظة عن شعور متجذر في التاريخ. ففي اليونان القديمة، كانت الألعاب الأولمبية تُقام في ظل هدنة تُعرف باسم «إيكيشيريا». ولم تكن تلك الهدنة تعني وقف جميع الحروب أو بزوغ فجر السلام في العالم الإغريقي، بل كانت بمثابة وقفة مقدسة تكريماً لروح ذلك التجمع. وكانت تضمن المرور الآمن للرياضيين والمتفرجين المتجهين إلى أولمبيا. وخلال فترة الألعاب، كان يمكن للمدن أن تظل متنافسة، أو حتى متعادية. لكن كان هناك ما يسمو فوق تلك الخلافات، وهو انتماء مشترك جدير بالتكريم، وهوية هيلينية شاملة آنذاك.
وقد حاولت الألعاب الأولمبية الحديثة، بطريقتها الخاصة، الدفاع عن المبادئ ذاتها، أي إمكانية إقامة احتفال يجمع البشرية كلها ويجعلها تسمو فوق الصراعات والخلافات. لكنها لم تنجح في ذلك طوال الوقت، ربما بسبب أن الاحتفال العالمي الحقيقي ليس الألعاب الأولمبية، بل كأس العالم.
وانطلقت بطولة كأس العالم 2026 وسط خلافات وتوترات متصاعدة بين الدول المضيفة الثلاث، المكسيك وكندا والولايات المتحدة. وكان يُفترض أن يُظهر عرضهم المشترك للبطولة وحدة المنطقة. وقد زادت الولايات المتحدة، على وجه الخصوص، من صعوبة الأمور على بعض المشجعين والحكام والفرق الأجنبية. فما حدث مع المنتخب الإيراني كان سيُخالف روح «إيكيشيريا» القديمة.
لكن مع انطلاق البطولة فعلياً، بدا وكأن العالم أجمع قد تنفس الصعداء. فقد منحت كرة القدم مجدداً ما لا تستطيع أي رياضة أخرى تقديمه، حيث قدمت لمحة عن إنسانيتنا المشتركة.
أما المكسيك نفسها فقد شهدت تحولاً. فقبل صافرة البداية، أبدى المعلقون قلقهم من أن تُفسد مشاكل البلاد الاحتفالات، من الفقر إلى العنف والفساد. وبالطبع، لم تختفِ تلك الأزمات، لكن البطولة كشفت عن وجه آخر للمكسيك لطالما طُمس تحت وطأة الأخبار السيئة، لتبرز المكسيك كدولة نابضة بالحياة مضيافة كريمة مفعمة بالموسيقى وفوضوية بأفضل معنى للكلمة. وبين صور لمشجع مكسيكي يحاول دون جدوى مساعدة شخص ما على عبور بركة ماء ضخمة، وكوريين ومكسيكيين يرقصون معاً داخل مطعم تاكو، وبطة تُدعى ميرلين ترتدي ألوان المنتخب الوطني، بدت تلك هي المكسيك التي يجب أن يراها العالم.
وقد شهدت الدول المضيفة الثلاث الولايات المتحدة الأميركية والمكسيك وكندا مشاهد مماثلة. فقد سيطر الإسكتلنديون على شوارع بوسطن، واحتضنوا شرطياً كان يستعرض مهاراته الكروية أمامهم. ولوَّن البرازيليون ميدان «تايمز سكوير» باللون الأصفر، قبل أيام من تلوين الفرنسيين له باللون الأزرق. وسار المشجعون الهولنديون بحماس في أرلينغتون بولاية تكساس، خلف حافلة ذات طابقين، وبقي المشجعون اليابانيون، كعادتهم، بعد صافرة النهاية لتنظيف المدرجات. وساد ذلك الشعور بالانتماء للمجتمع، رداً على عالم منقسم ومعزول تُهيمن عليه الأصوات السلطوية.
صحيح أن كأس العالم لا توقف الحروب ولا تنهي القسوة السياسية، ولا تجعل العالم أكثر ديمقراطية، ولا تصلح أخطاء الحكومات، ولا تمحو الظلم. لكن «إيكيشيريا» القديمة لم تفعل ذلك أيضاً. بل كان سر جمالها يكمن تحديداً في حدودها. فقد أتاحت مساحة هشة يستطيع فيها الخصوم أن يتذكروا، ولو للحظات، أنهم ينتمون إلى ما هو أكبر من خلافاتهم ونزاعاتهم. لقد كانت هدنة تساعد الناس على رؤية أفضل ما في أنفسهم. ولا يزال أمامنا نحو شهر للاستمتاع بهذا الشعور. فلعل هذا الشعور يدوم لفترة أطول من البطولة نفسها.
*صحفي وإعلامي مكسيكي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


