عودة الخرائط إلى مائدة القرار
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

كنا نظن أننا تجاوزنا الجغرافيا، هذه القناعة ترسخت في أذهاننا على مدى عقود، حتى باتت شبه مسلّمة في أوساط الاقتصاديين والمحللين السياسيين على حد سواء. قيل لنا، إن الإنترنت أسقط الحدود، وإن الطائرات قلّصت المسافات، وإن رأس المال لا وطن له. صدّقنا ذلك، ربما لأننا أردنا أن نصدقه، لكن الأحداث المتلاحقة في السنوات الأخيرة تُثبت أن الجغرافيا لم تكن غائبة قط، بل كانت تنتظر اللحظة المناسبة لتقول كلمتها.توقف سفينة واحدة في مضيق باب المندب يكفي لإرباك أسواق في القارات الثلاث، وتصاعد التوترات في بحر الصين الجنوبي يُقلق شركات التأمين في لندن قبل أن يُقلق الحكومات في المنطقة. هذا ليس مبالغة، بل هو وصف دقيق لما نراه اليوم. الجغرافيا لم تتقاعد، كانت فقط تراقب بصمت بينما نحن منشغلون بالحديث عن عالم مسطّح.
الذي تغيّر ليس أهمية الجغرافيا، بل طريقة اشتغالها. قديماً كانت الحروب تُشنّ للسيطرة على الأرض والموارد، أما اليوم فالمعركة الحقيقية تدور حول شيء أصعب في الإمساك به: السيطرة على الحركة. مَن يتحكم في مسار البضائع والطاقة والبيانات يمتلك نفوذاً لا تمنحه أكبر الجيوش. آبار النفط لا قيمة لها إن لم يصل نفطها إلى المصافي، والمصانع لا تعمل إن انقطعت عنها سلاسل الإمداد.
هذا المنطق الجديد أعاد رسم خريطة القوة بطريقة لم يتوقعها كثيرون. دولٌ صغيرة المساحة وجدت نفسها فجأة في موقع التأثير على قرارات الكبار. الموانئ صارت أسلحة، والممرات البحرية أوراق ضغط حقيقية، والمناطق الاقتصادية الحرة أدوات نفوذ يُحسب لها حساب. الدولة التي تستطيع أن تقول للعالم «البضائع تمر من هنا» تحوز من القوة ما يفوق كثيراً ما تمنحه الترسانات العسكرية.
والمفارقة أن هذا الدرس ليس جديداً على الإطلاق، فالتاريخ يعلّمنا أن الإمبراطوريات الكبرى لم تبنِ عظمتها بالقوة العسكرية وحدها، بل بالسيطرة على طرق التجارة. البرتغاليون في القرن السادس عشر أدركوا قبل غيرهم أن من يمسك بمضيق هرمز وطرق التوابل يمسك بعصب الاقتصاد العالمي، والبريطانيون في أوج مجدهم لم يحكموا العالم بالمدافع فقط، بل بالموانئ والخطوط البحرية التي تربط القارات.
ما يجري اليوم ليس إلا نسخة معاصرة من تلك المعادلة القديمة، لكن بأطراف أكثر وأدوات أعقد. الصين تبني موانئ في باكستان وكينيا وسريلانكا، ضمانًا لوصول بضائعها وطاقتها في عالم تتصاعد فيه حدة التنافس. في حين أن الولايات المتحدة تعيد تموضع أساطيلها في المحيط الهادئ، لأن من يسيطر على تلك المياه يسيطر على الشريان الرئيسي للتجارة بين أكبر اقتصادات العالم.
في هذا المشهد تحديداً، تستحق تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة أن تُقرأ بعيون مختلفة. دولةٌ لا تتجاوز مساحتها ثمانين ألف كيلومتر مربع نجحت في أن تجعل نفسها عقدة لا يمكن تجاوزها في خريطة التجارة العالمية. هذا لم يحدث بالصدفة، ولم تكن الثروة النفطية وحدها كافية لتفسيره، بل كان في جوهره قراراً استراتيجياً مبكراً بأن الموقع الجغرافي مادة خام، يمكن تحويلها إلى مشروع حضاري. فميناء جبل علي، ومطار دبي، وشبكة الطيران التي تربط الشرق بالغرب ليست مجرد منشآت اقتصادية، بل هي تجسيد لرؤية دولة قررت أن تكون في قلب الحركة لا على هامشها.
لكن الأهم هو ما أدركته دولة الإمارات وغفل عنه كثيرون: الموقع الجغرافي وحده لا يكفي، فالاستقرار والموثوقية والقدرة على الإيفاء بالوعود هي التي تحوّل الموقع إلى ميزة دائمة. ففي منطقة تعصف بها الأزمات، أصبحت الموثوقية نفسها سلعة نادرة لا يُستهان بها.
ما نشهده اليوم ليس أزمةً عابرة في ممر مائي، ولا اضطراباً مؤقتاً في سلاسل الإمداد، بل نحن أمام إعادة اكتشاف جذرية لدور الجغرافيا في تشكيل موازين القوى. وبعد عقود من الحديث عن «نهاية الجغرافيا»، تعود الخرائط لتفرض حضورها بقوة لا تقبل الجدل.
السؤال الذي يجب أن تطرحه كل دولة على نفسها لم يعد: كم يبلغ ناتجها المحلي أو حجم جيشها؟ بل: أين تقع في خريطة الحركة العالمية، وهل تمتلك الرؤية لتحويل موقعها إلى نفوذ حقيقي ومستدام؟ الدول التي تُجيب عن هذا السؤال بوضوح وتترجم إجابتها إلى بنية تحتية وشراكات وسياسات، هي التي ستجد نفسها في الموقع الأفضل حين يُعاد رسم خرائط النفوذ في العقود المقبلة.
*باحثة- مركز تريندز للبحوث والاستشارات. 



إقرأ المزيد