جريدة الإتحاد - 6/21/2026 11:40:02 PM - GMT (+4 )
عندما يُذكر مصطلحا «مراكز البيانات» و«تغير المناخ» في الجملة نفسها، فإنهما غالباً ما يشيران إلى كيفية تغذية الأولى للثانية باستهلاكها الهائل للطاقة. لكن الثانية بدورها قد تُلحق أضراراً جسيمة بالأولى. وليس من الحكمة تلويث كوكب الأرض إذا كان عليك مشاركة غلافه الجوي مع الجميع.
ووفقاً لدراسة جديدة، يقع نحو 6% من مراكز البيانات البالغ عددها 3000 مركز تقريباً والمخطط إنشاؤها حول العالم، في مواقع تواجه بالفعل خطراً كبيراً بسبب الظروف الجوية القاسية. والمقصود بـ«خطر كبير» أن تلك المراكز قد تصبح غير قابلة للتأمين عملياً دون تحصينها ضد الحرائق والفيضانات أو أي أخطار أخرى قد تُسببها بيئتها المحلية.
وتأتي الدراسة استكمالاً لتقرير سابق خلص إلى أن نحو 7% من مراكز البيانات القائمة أو المخطط لها ستكون معرضة لمخاطر مناخية مرتفعة بحلول عام 2050، فيما ستواجه 20% أخرى مخاطر متوسطة تجعل الحصول على التأمين ممكناً لكنه أكثر تكلفة.
وقد لا يعارض البعض ذلك، فمراكز البيانات أصبحت من القضايا النادرة التي توحد اليمين واليسار في الولايات المتحدة.
اعتبرت الذكاء الاصطناعي ضرورة حضارية، مما استلزم بناء أعداد هائلة من مراكز البيانات على الأرض وفي الفضاء. وتشير تقديرات إلى أنه سيتم استثمار نحو 7 تريليونات دولار في هذا المجال بحلول عام 2030. وباتت أسواق المال تتفاعل بقوة مع أي إشارة تصدر عن كبار قادة قطاع الذكاء الاصطناعي، إذ أضافت «فورد موتور» نحو 11 مليار دولار إلى قيمتها السوقية بين عشية وضحاها لمجرد إعلانها عن مشروع مرتبط بهذه التكنولوجيا.
وسواء أعجبنا ذلك أم لا، فقد أصبح الاقتصاد العالمي مصنعاً لمراكز البيانات. ومع الإصرار على بناء تلك المنشآت، فمن المنطقي تصميمها لتتحمل مناخاً أكثر حرارة وخطورة، حتى لا يتم إهدار رؤوس الأموال في بنائها مجدداً.
وتُخفي الأرقام الرئيسية التي تُشير إلى ارتفاع المخاطر بعض المناطق الساخنة محلياً حيث تتركز المشاكل بشكل خاص، مثل مقاطعة جيانغسو الصينية. ووفقًا لدراسة حديثة، سيواجه ما يقرب من ثلثي مراكز البيانات القائمة والمخطط لها هناك مخاطر مناخية عالية بحلول عام 2050، ويرجع ذلك أساساً إلى الفيضانات الساحلية. وقد ترتفع تكاليف التأمين هناك بمقدار ثمانية أضعاف بحلول عام 2100. وفي ولاية نيوجيرسي، يقع 20% من مراكز البيانات هناك، أو سيقعون، في مناطق معرضة للفيضانات، وقد ترتفع تكاليف التأمين بنسبة 1000% بحلول نهاية القرن. وفي جنوب شرق آسيا، يواجه واحد من كل خمسة مراكز بيانات مُخطط لها مخاطر مناخية عالية حالياً.
قد تكون هذه الأرقام متحفظة. فقد كشف تحليل حديث أن نصف مراكز البيانات الأميركية المُخطط لها تُبنى في مناطق معرضة بشدة للعواصف الرعدية الشديدة، التي تُسبب أمطاراً غزيرة ورياحاً عاتية وبرداً وأعاصير.
لكن الكوارث المناخية العنيفة ليست المشكلة الوحيدة. فالحرارة الشديدة أصبحت بالفعل تحدياً يومياً لمراكز البيانات، لأنها تزيد احتمالات انقطاع الكهرباء، وهو ما يهدد تشغيل الخدمات الرقمية والذكاء الاصطناعي التي تعتمد عليها هذه المرافق. وتتفاقم المشكلة في مناطق تعاني أصلاً مخاطر الفيضانات والحرائق والعواصف.
والأخطر من الأضرار المباشرة هو التأثير غير المباشر للكوارث المناخية، مثل تعطيل البنية التحتية المحلية، وإلحاق الضرر بالعملاء والموردين. وتشير دراسة محاكاة إلى أن هذه التداعيات الثانوية قد تضاعف الخسائر المالية أكبر بعشر مرات من الأضرار المباشرة نفسها. لذا، يُعد تعزيز قدرة العمليات على تحمل تلك الكوارث أمراً بالغ الأهمية لتقليل المخاطر. لكن حتى أكثر مراكز البيانات تحصيناً لن تكون بمنأى عن آثار تغير المناخ. فبناء الجدران والحواجز لا يكفي إذا كانت البيئة المحيطة بأكملها تتعرض للاضطراب.
هذا يجعل من الضروري أن تُخفف مراكز البيانات من آثارها البيئية السلبية. فرغم المخاطر المناخية التي تواجهها، إلا أنها تُنتج بدورها كميات هائلة من هذه الآثار. وقد أشارت وكالة الطاقة الدولية إلى أن أكبر مزارع الحوسبة قيد الإنشاء اليوم قد تستهلك طاقة تعادل استهلاك مليوني منزل. أما المزارع العادية فتستهلك طاقة تعادل استهلاك 100 ألف منزل، أي ما يُقارب حجم مدينة صغيرة كمدينة نورفولك بولاية فرجينيا. وتُقدر وكالة الطاقة الدولية أن مراكز البيانات ستضيف إلى الطلب على الطاقة ما يُعادل استهلاك اليابان بحلول عام 2030.
ومنذ عام 2017، نما معدل استهلاك الكهرباء في مراكز البيانات أربعة أضعاف معدل الاستهلاك الأساسي. وقد أدى التهافت على بناء تلك المراكز إلى زيادة الطلب على الوقود الأحفوري الذي كان من المفترض أن يتراجع مع ازدياد الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة. وتلجأ العديد من المراكز إلى مولدات الديزل عند انقطاع التيار الكهربائي. وتشير الدراسات إلى أن مراكز البيانات والعملات الرقمية ستؤدي إلى زيادة انبعاثات الكربون للبشرية بنسبة 28% في عام 2030. وستؤدي هذه الغازات الدفيئة إلى زيادة حرارة الكوكب، مما يُفاقم مخاطر الظواهر الجوية المتطرفة.
ويُشكل التلوث المستمر الناتج عن مراكز البيانات التي تعمل بالغاز تهديداً صحياً للسكان القاطنين بالقرب منها، وكذلك الضوضاء المتواصلة. ورغم حاجتها إلى مياه التبريد، تُقام معظم المراكز الجديدة في مناطق تعاني أصلاً من شح المياه، مثل ولاية أريزونا.ويُصيب مؤيدو الذكاء الاصطناعي في قولهم، إن التكنولوجيا يمكنها مساعدة البشرية في مكافحة تغير المناخ والتكيف معه. فهي تُستغل بالفعل في تحليل البيانات لدراسة المناخ، والتنبؤ بالطقس، وتخصيص الموارد الشحيحة. ولكن لكي تفوق فوائد الذكاء الاصطناعي قائمة أضراره، يجب أن يكون تطويره مدروساً ومنظماً بدقة، وهي صفات نادرة في عصر طفرة الذكاء الاصطناعي. قد تتجاهل هذه الطفرة قوانين السوق الاقتصادية، لكنها تخضع لقوانين الفيزياء.
*كاتب متخصص في قضايا تغير المناخ
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


