جريدة الإتحاد - 6/21/2026 11:47:19 PM - GMT (+4 )
مرُّ دول مجلس التعاون الخليجي اليوم بلحظة تاريخية فارقة، وتُبرز التطوراتُ الإقليميةُ الحاجةَ الملحّةَ إلى قراءة الواقع الخليجي في لحظته الحاسمة، واستشراف مستقبله في ظل بيئة إقليمية ودولية معقّدة، تفرض على دول المجلس تعزيزَ وحدتها، وتطويرَ أدواتها المشتركة، وتحويلَ التحديات الراهنة إلى فُرص جديدة لترسيخ الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة. فالمشهد الإقليمي والدولي يشهد تحوّلات متسارعة، والتحديات الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية أصبحت أكثر تعقيداً وتشابكاً، الأمر الذي يفرض على دول المجلس الانتقالَ إلى مرحلة أكثر تقدماً تقوم على إعادة هندسة العلاقات والسياسات والاستراتيجيات الخليجية، بما يواكب متطلبات المستقبل.
إن المتتبعَ لتغريدات وتصريحات معالي الدكتور أنور بن محمد قرقاش، المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس الدولة، يدرك أنه لا يتحدث فقط من موقع المسؤول الذي تولّى على مدى سنوات إدارةَ ملفات استراتيجية امتدت آثارُها إلى مختلف دول مجلس التعاون الخليجي، بل يتحدث أيضاً من موقع الأكاديمي والمفكر الاستراتيجي الذي راكم خبرةً عميقةً في فهم التحولات الإقليمية والدولية، وقراءة تفاعلاتها وانعكاساتها على مستقبل المنطقة. ففي العديد من مواقفه وتحليلاته، يَبرز اهتمامٌ واضحٌ باستشراف مآلات اللحظة الخليجية الراهنة، ليس بوصفها محطةً عابرةً في تاريخ المنطقة، وإنما باعتبارها مرحلةً مفصليةً تتقاطع فيها التحدياتُ الأمنيةُ مع التحولات الاقتصادية، وتتداخل فيها المخاطر مع الفرص. ومن هذا المنطلق، تكتسي رؤيتُه التي تؤكد على أن «أمن الخليج لا يتجزّأ» أهميةً خاصةً، لأنها تنطلق من فهم عميق لطبيعة المشروع الخليجي، ولحجم الإنجازات التي تحققت، وضرورات التطوير بما يواكب متطلبات المستقبل.
لقد أثبتت التجاربُ أن قوة دول الخليج لا تكمن فقط في قدراتها الاقتصادية أو مواردها الطبيعية، وإنما في قدرتها على العمل الجماعي وصياغة مواقف مشتركة تجاه القضايا المصيرية. فالمجلس لم يكن مجرد إطار للتعاون السياسي والاقتصادي، بل كان ولا يزال مشروعاً استراتيجياً نجح في ترسيخ الاستقرار وتحويل المنطقة إلى أحد أهم المراكز الاقتصادية والتنموية في العالم. واليوم تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً لتطوير هذا المشروع وتعزيز أدواته ومؤسّساته بما يتناسب مع طبيعة التحديات الجديدة. وتأتي التهديدات الأمنية والعسكرية في مقدمة هذه التحديات. فالهجمات الإيرانية العدوانية المتكررة على دول المنطقة، وما صاحبها من استهداف للبنية التحتية الحيوية والممرات الملاحية والمنشآت الاقتصادية، أعادت التأكيدَ على حقيقة استراتيجية مفادها أن أمن دول الخليج مترابط وغير قابل للتجزئة. وما تتعرض له دولة خليجية واحدة يُمثّل تهديداً مباشراً لبقية الدول، وهو ما يفرض تطويرَ مفهوم الأمن الجماعي الخليجي والانتقالَ به إلى مستويات أكثر تقدماً من التكامل الدفاعي والعسكري والاستخباراتي.
ولعل الأحداث الأخيرة أظهرت أن المنطقةَ بحاجة إلى مراجعة شاملة لمنظومة الأمن الإقليمي، بحيث لا يقتصر التعاونُ على ردود الفعل الآنية، وإنما يتجه نحو بناء قدرات مشتركة في مجالات الدفاع الجوي والصاروخي، والأمن السيبراني، وحماية البنية التحتية الحيوية، وتأمين الممرات البحرية وسلاسل الإمداد الاستراتيجية. فالتحديات المقبلة لن تكون تقليدية فقط، بل ستشمل أنماطاً جديدة من الصراعات والحروب والهجمات الإلكترونية والضغوط الاقتصادية. وفي الجانب الاقتصادي تفرض التطوراتُ على دول المجلس تسريعَ وتيرة التكامل الاقتصادي وتعزيزَ الشراكات الخليجية البينية.
ومن هنا فإن اللحظة الخليجية الراهنة ليست مجرد استجابة لتحديات عابرة، بل هي فرصة تاريخية لإعادة صياغة المشروع الخليجي على أُسس أكثر قوة ومرونة، ووفق رؤية استراتيجية بعيدة المدى تجعل من الوحدة والتكامل والتنسيق العميق خياراً ثابتاً لا تفرضه الأزمات، وإنما تؤسّسه ضرورات التنمية والاستقرار وصناعة المستقبل. وتبقى الحقيقة الأهم، ألا وهي أن قوة الخليج في وحدته، وأن أمنه وازدهاره واستقراره مسؤوليةٌ جماعية لا تقبل التجزئة أو التأجيل.
*كاتبة إماراتية
إقرأ المزيد


