الإمارات وحماية الإسلام من تجّار الدين
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

تُشكِّل قيم الإسلام النبيلة مكوِّناً أصيلاً من هوية دولة الإمارات العربية المتحدة وثوابتها الراسخة، ومن وجدان قيادتها وشعبها، فخلف واجهتها الحضارية تنبض روح العقيدة الإسلامية، حيث ترتفع المآذن في طول البلاد وعرضها لتصدح بالتكبير، وتنتشر المساجد المعمورة بذكر الله وإقامة الصلاة، وفي مدارسها يتعلم الناشئة حب الله ورسوله والوطن، ويتشرّبون القيم الإسلامية الأصيلة التي تبني الإنسان وتعمر الأرض.

إنّ نجاح الإمارات في ترسيخ هذا النموذج جعلها هدفاً لحملات التشويه التي تشنها تنظيمات الإرهاب. والحقيقة الراسخة أن هذه الاتهامات ما هي إلا نتاج الحقد والغِلّ الذي تُكِّنه تلك التنظيمات ومن وافقها، بغضاً بنجاح الإمارات وسقوط مشروعهم على أعتابها.

لقد وعت الإمارات مبكراً خطر هذا التنظيم، حيث اتخذت موقفاً حازماً فحلّت جماعة «الإخوان» منذ العام 1994، فأغلقت بذلك الباب أمام تغلغلهم، لأن الإمارات عدو حقيقي للمتاجرين بالدين كما تفعل جماعة «الإخوان» الإرهابية، وما تزال الدولة تعمل بقوة ضد تحويل الدين إلى أيديولوجية صدامية لتقويض الدولة الوطنية. «الإخوان» المتطرفون، أدعياء احتكار الفهم الديني، الذين لا يفقهون من الإسلام إلا اسمه، هم امتداد حقيقي للخوارج، بل هم خوارج العصر الذين ينطبق عليهم الوصف النّبوي، قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يحفظون القرآن، ولكن لا يجاوز حناجرهم، فيحملون النصوص على غير وجهها لنشر العنف، ولا يفهمون إلا لغة الدمار والتخريب. تأتي فرية «الديانة الإبراهيمية» كإحدى الأكاذيب المعتادة التي نسج المتطرفون حولها القصص والتخيلات والأوهام، وبرز فيها الدجل في فتاواهم المكذوبة التي اعتادت إطلاق الأحكام بلا دين أوعلم.

بينما الحقيقة القائمة في الدولة هي وجود «بيت العائلة الإبراهيمية»، وهو مجمع حضاري يضم مسجداً وكنيسة وكنيساً مستقلة تماماً أحدها عن الآخر، ويهدف المجمع إلى أن يكون منارة للحوار، وصرحاً يعزّز قيم التفاهم والتعايش بين أتباع الديانات السماوية، ودور العبادة فيه منفصلة في الشعائر والمباني بالطبع، ولا يوجد فيه أي واقعٍ أو قصد لدمج الأديان أو انصهارها، فتجاور دور العبادة لا يستلزم ذوبان العقائد أو تلاشي الهويات الدينية. وهو مفهوم أصيل عرفته المدن الإسلامية الكبرى، مثل القاهرة التي تضم مجمعاً للمعابد في منطقة مصر القديمة، جامعاً بين المسجد والكنيسة والمعبد اليهودي، وكذلك الأندلس، ولا سيما طليطلة، التي عُرفت تاريخياً بوجود المسلمين والمسيحيين واليهود وتجاور دور عبادتهم. أما خرافة «الديانة الإبراهيمية» وانصهار الأديان في دين واحد، فلا وجود لها إلا في مخيّلة «الإخوان» الإرهابية ومن يردد دعايتها.

تندرج الأراجيف التي ينشرها المتطرفون تجاه الإمارات لتشويه صورتها في التسامح تحت بند الجهل بالشرع والتاريخ. فدور العبادة المختلفة التي سمحت الإمارات للجاليات ببنائها تُعد تطبيقاً عميقاً لقيم الإسلام في احترام المعتقدات وتقدير الآخر الذي يشارك في بناء المنجزات على أرض الوطن، بينما يهيم المتطرفون في التحريم واستنقاص الآخر، وكأن الله لم يمنح التكريم إلا لهم، والله تعالى يقول في محكم التنزيل: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}.

ومن الجانب الشرعي، يرى الإمام الليث بن سعد وعلماء آخرون في تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا} أن لفظ «المساجد» يشمل عموم دور العبادة التي يُذكر فيها اسم الله، ومنها الكنائس والمعابد، وبناءً عليه يُعتبر الاعتداء عليها أو منع بنائها نوعاً من السعي في خرابها. كما دلّت الآية الكريمة: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً} على شمولية حماية دور العبادة للأديان المختلفة من المعتدين، حيث ذكرت الصوامع وهي أماكن تنسُّك الرهبان، والبيع وهي الكنائس، والصلوات وهي أماكن عبادة اليهود، إلى جانب المساجد.

الإمارات منذ نشأتها، يمتدُّ خيرها لخدمة الإسلام عالمياً، حيث ساهمت في تشييد المساجد والمراكز الإسلامية في مختلف أنحاء العالم، ومنها إندونيسيا، والفلبين، وكازاخستان، والأردن، وفلسطين، ومالي، وتشاد، والكاميرون، وساحل العاج، والسودان، وإثيوبيا، وسويسرا، والصين. أصبحت هذه المساجد منارات لتعليم الدين والأخلاق، وتخرّج منها آلاف الحفاظ للقرآن والفقهاء والوعّاظ. فلله دَرُّ الإمارات، خيرها يعمُّ الأصقاع، بينما يظل المؤدلَجون منهمكين في تكوين التنظيمات السرية، وهدم الدول الوطنية.

*مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.



إقرأ المزيد