الشاحنات ذاتية القيادة.. ثنائية الربحية والأمان
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

تأمل الشركات الطموحة المتخصصة في مجال المركبات ذاتية القيادة أن تُصبح رحلات نقل البضائع التي تنفّذها شاحنات ذاتية القيادة من دون سائق بشري، أكثر شيوعاً وأن تعمل بسلاسة، دون مشكلات على الطرق الأميركية. وقد بدأت شركات مثل «غاتيك» و«كودياك إيه آي» و«أورورا تكنولوجيز» و«بوت أوتو»، عملياتها التجارية الأولية لشاحنات نقل البضائع من دون سائق، ومن المتوقع أن تحذو شركات أخرى حذوها قريباً.
ويتمثل العائق الرئيسي أمام تلك الشركات في مخاوفها من أن تُشكل شاحناتها ذاتية القيادة خطراً على سلامة سائقي السيارات الآخرين. لكن الواقع قد يكون عكس ذلك، إذ تتمتع تلك الشاحنات بالقدرة على خفض عدد الحوادث بفضل تقنياتها المتقدمة، ويعتمد القطاع بأكمله على إثبات سلامة هذه التكنولوجيا. بل يُهدّد أي تباطؤ في تبنِّي المركبات ذاتية القيادة بمنح الأفضلية للشركات الصينية، التي تُطور تقنية المركبات ذاتية القيادة بكامل طاقتها، لذا، ينبغي على صانعي السياسات في أميركا أن يُواكبوا الحماس، وألا يسمحوا لأي جهة بوضع العراقيل.
وتُعد السلامة هي معيار الاختبار الحقيقي، بل ويُفضَّل أن تؤدي التكنولوجيا إلى انخفاض ملموس في نسبة المخاطر. ففي عام 2024، وهو أحدث عام تتوفر عنه البيانات، وقع ما يزيد قليلاً على 3600 حادث مُميت شمل شاحنات كبيرة يزيد وزنها على 19500 رطل، من بينها الشاحنات الصندوقية الضخمة والشاحنات ذات 18 عجلة، وذلك وفقاً لتحليل بيانات الإدارة الوطنية لسلامة المرور على الطرق السريعة. وأسفرت تلك الحوادث عن 4100 حالة وفاة. ولا يشمل التحليل عشرات الآلاف من الحوادث الإضافية التي أسفرت عن إصابات فقط.
ولا تُحدد الوكالات الحكومية والمحلية التي تُقدم بيانات الحوادث الطرف المسؤول عن الحوادث، لأنه إجراء قانوني دقيق. ومع ذلك، تُشير البيانات، التي تشمل تقارير حوادث الشرطة وملفات تسجيل المركبات وتقارير الطب الشرعي، إلى العوامل الأكثر ترجيحاً في كل حادث مميت. وكشف تحليل لهذه العوامل أن احتمالية مسؤولية سائقي المركبات الأخرى عن الحوادث التي تشمل الشاحنات والمركبات الأخرى تزيد بثلاثة أضعاف. إلا أن ذلك يعني أن سائقي الشاحنات كانوا على الأرجح مسؤولين عن حوادث أودت بحياة نحو 600 شخص، ويرتفع هذا العدد إلى 800 عند إضافة الحوادث التي اقتصرت على قتل سائق الشاحنة أو المشاة.
وبعبارة أخرى، ستقع حوادث تتعلق بالشاحنات ذاتية القيادة مهما بلغت درجة أمانها، لكن هذه التكنولوجيا قد تَحدُّ من المخاطر المحتملة وتقلص العدد الإجمالي للوفيات.
ويعود ذلك إلى أن الشاحنات ذاتية القيادة تستخدم كاميرات وراداراً وأجهزة استشعار «ليدار» ليزرية موزّعة في أنحاء المركبة لتغذية حاسوب داخلي مُدرب على التنقل في الشوارع والطرق السريعة مع التعامل مع السيارات والشاحنات والحافلات والدراجات الهوائية والنارية والمشاة والحيوانات الضالة أو أي شيء يعترض الطريق.
وقد تُسهم هذه الشاحنات في تقليل الحوادث حتى عندما يكون الخطأ فيها من جانب سائقين آخرين، لأن النظام، الذي يتمتع بإدراك أفضل للوضع المحيط من البشر، قادر على ملاحظة القيادة المتهورة مبكراً والاستجابة بشكل أسرع. ومن المؤكد أن أي حادث يشمل شاحنة ذاتية القيادة سيوفر كماً هائلاً من بيانات القياس عن بُعد والبيانات المرئية لموقع الحادث.
إضافة إلى أن شركات الشاحنات ذاتية القيادة تدرك أنها ستحتاج إلى سجلِّ سلامة خالٍ تقريباً من الحوادث، وإلا فلن تستمر في العمل طويلًا. فالتدقيق مُكثّف، وسيستمر في المستقبل، حتى في أبسط الحوادث البسيطة التي قد تتعرض لها هذه المركبات، فضلاً عن الحوادث الخطيرة. لذا، تُجرى هذه العمليات الأولى بحذر شديد، مما يعني ارتفاع التكاليف. فعدد الأشخاص المشاركين في مراقبة وتشغيل هذه المركبات عن بُعد أو داخل المقصورة، أكبر بكثير مما سيكون عليه الحال عندما تنضج صناعة النقل الذاتي بالكامل. ويكمن التحدي في خفض تلك التكاليف بما يكفي لتحقيق الربح مع الحفاظ على السلامة.
ومن المثير للدهشة إلى حدٍّ ما أن البيانات أظهرت وجود نحو 50 حادثاً مميتاً فقط يُرجح أنها نجمت عن أعطال ميكانيكية في الشاحنات، وهي نوعية الحوادث التي قد تتعرض لها المركبات ذاتية القيادة أيضاً، مثل انفجار أحد الإطارات أو تعطل خط المكابح.
وتعالج جميع شركات الشاحنات ذاتية القيادة احتمال حدوث عطل ميكانيكي عن طريق تركيب أنظمة زائدة عن الحاجة للمكونات الرئيسية مثل التوجيه والفرامل. فعلى سبيل المثال، دخلت شركة غاتيك في شراكة مع شركة جوديير للإطارات والمطاط لمراقبة حالة الإطارات وكذلك ظروف الطريق.
وتسعى شركات الشاحنات ذاتية القيادة إلى الحدّ من مخاطر الأعطال الميكانيكية عبر تزويد المركبات بأنظمة احتياطية للمكونات الأساسية مثل التوجيه والمكابح، إلى جانب مراقبة حالة الإطارات وظروف الطريق بشكل مستمر.
وتؤكد شركة «غاتيك» أن شاحناتها لم تتورط حتى الآن في أي حوادث مرورية، حيث تستهدف الشركة سوق نقل البضائع بين المستودعات والمتاجر، وتشغل حالياً نحو 100 شاحنة في عدة مناطق بالولايات المتحدة، مع خطط لنشر مئات الشاحنات الإضافية. كما وقعت عقوداً تمتد لخمس سنوات بقيمة 600 مليون دولار، من بينها عقود مع بيبسيكو.وفي الوقت نفسه، تواصل تكنولوجيا القيادة الذاتية توسيع حضورها التجاري، إذ يعمل مصنعو الشاحنات على دمج تلك الأنظمة في خطوط الإنتاج، بينما تتسابق الشركات الناشئة والمصنعون التقليديون للاستفادة من هذا السوق. غير أن نجاح الشاحنات ذاتية القيادة سيظل مرهوناً بقدرتها على تحقيق مستوى من السلامة يفوق الشاحنات التي يقودها البشر، في سباق يجمع بين الأمان والربحية. 


 *كاتب متخصص في قطاعي الصناعة والنقل.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»



إقرأ المزيد