الهند وقمة «السبع»
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

تُمثِّل دولُ مجموعة السّبع نحو 10% من سكان العالم. وتتبادل رئاستَها سنوياً الدولُ الأعضاءُ التي يغلب عليها الطابع الغربي. وقد تأسّست المجموعة تاريخياً باعتبارها تجمُّعاً لأكثر الديمقراطيات الصناعية تقدُّماً في العالم، لكنها تسعى اليوم بشكل متزايد إلى إيجاد سبل للحفاظ على أهميتها وتأثيرها عبر استقطاب تأييد الأسواق الاستهلاكية المزدهرة. وتشارك الهند في قمم المجموعة منذ عام 2003 بصفة شريك في التواصل أو ضيفٍ مدعوٍّ، بفضل نفوذها الاقتصادي المتنامي ومكانتها كصوت أساسي لدول الجنوب العالمي.
وجاءت رحلة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى فرنسا للمشاركة في قمة العام الحالي في إطار تحقيق مجموعة أهداف هندية. وشملت الزيارةُ تعزيزَ التعاون الاقتصادي والتكنولوجي، ليس عبر أعضاء مجموعة السبع على المستوى متعدد الأطراف فحسب، بل أيضاً من خلال الاجتماعات الثنائية. واستغل مودي القمةَ لتعزيز علاقات الهند مع القوى الكبرى، بما يخدم المصالح الاقتصادية والاستراتيجية لبلاده. وتركّزت زيارتُه إلى مدينة إيفيان الفرنسية، حيث انعقدت القمة، على ثلاثة محاور رئيسية: التجارة، والتكنولوجيا، والأمن الإقليمي والعالمي.
وحظيت مشاركةُ الهند في الاجتماعات بأهمية بالغة، إذ عزّزت مكانتَها كصوت رائد لدول الجنوب العالمي، ولاعباً مؤثّراً بشكل متزايد في الشؤون الدولية. وبدلاً من التركيز فقط على البيانات الرسمية للقمة، استغل مودي هذا التجمع لتعزيز الدبلوماسية الثنائية، وجذب الاستثمارات، وتوطيد الشراكات التي تدعم أهداف التنمية طويلة الأجل للهند. كما أظهرت زيارتُه استراتيجيةَ الهند في التعامل مع جميع القوى الكبرى مع الحفاظ على استقلاليتها الاستراتيجية، ودعم نظام دولي متعدّد الأقطاب.
وبينما ركّزت المناقشات خلال القمة على الأمن البحري وسلامة البحار والتطورات في غرب آسيا وتعزيز التعاون الدولي في مواجهة التحديات الصحية والاقتصادية، وهي القضايا التي تحظى باهتمام بالغ من الهند، فقد شهدت القمة أيضاً تطورات أخرى على هامشها، حيث أطلقت الهندُ وفرنسا معاً مبادرةَ «بهارات إنوفيتس» في مدينة نيس الفرنسية، موفرتَين بذلك منصةً عالميةً للشركات الهندية الناشئة في مجال التكنولوجيا المتقدمة. وشارك في البرنامج أكثر من 120 شركة هندية ناشئة. وتهدف هذه المبادرة الحكومية إلى دعم ريادة الأعمال في مجال التكنولوجيا المتقدمة والابتكار القائم على البحث العلمي، والناشئ من مؤسّسات التعليم العالي الهندية. في مؤتمر «فيفاتيك» 2026 في باريس، حيث كانت الهند محور التركيز فيما يتعلق بمجال الذكاء الاصطناعي، أكد مودي على أهمية تبنِّي نهج يركّز على الإنسان في الذكاء الاصطناعي، وعلى استخدام التكنولوجيا لتحقيق تنمية شاملة.
وعلى هامش قمة مجموعة السبع، أجرى رئيسُ الوزراء الهندي مباحثاتٍ مع قادة الولايات المتحدة الأميركية ودولة الإمارات العربية المتحدة وكندا والمملكة المتحدة وعدد من الدول الأخرى، حول التجارة والاستثمار والتكنولوجيا والتعاون الأمني. واكتسبت هذه الاجتماعات أهميةً بالغةً نظراً لتزامنها مع حالة عدم اليقين الاقتصادي العالمي، بما يشمل الحاجةَ إلى حماية سلاسل التوريد والحاجة إلى إمدادات طاقة آمنة وممّرات بحرية مستقرة. وحظيت الاجتماعات بأهمية خاصة بالنسبة للهند، إذ يعتمد اقتصادها المتنامي على إمدادات طاقة ثابتة ومتواصلة. وقد أثّرت الحرب الإيرانية بشدّة على الهند، التي تستورد نحو 90% من نفطها. كما أضرّ إغلاق مضيق هرمز الحيوي، الذي يمرُّ عبره عادة نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية، بالهند خاصة.
وكان اجتماع مودي مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أول لقاء مباشر بين الزعيمين منذ 16 شهراً، أي منذ زيارة مودي للولايات المتحدة بعد فترة وجيزة من تولِّي ترامب الرئاسة. وتشهد العلاقات الهندية الأميركية بعضَ التحديات إثر فرض ترامب تعريفات جمركية. كما تشمل مجالات التوتر الأخرى حملة إدارة ترامب على الهجرة والقيود المفروضة على تأشيرات العمل الأميركية المتخصصة «إتش-1بي»، والتي أثّرت على العمالة الهندية من ذوي المهارات العالية العاملين في الولايات المتحدة.
 وتشير اجتماعات رئيس الوزراء الهندي مع معظم أعضاء مجموعة السبع بوضوح إلى حاجة المجموعة إلى النفوذ الدبلوماسي للهند، وسوقها الضخمة، واقتصادها الرقمي المزدهر، علاوة على أهميتها الجيوسياسية.
وبالمثل، ظلت التجارة المحور الرئيسي في اجتماعات الهند مع الدول الأخرى. فقد أكد البيان المشترك الصادر عن الهند وكندا، عقب لقاء مودي بنظيره الكندي مارك كارني، «ارتياح الزعيمين للتقدم المُحرز في المفاوضات الرامية إلى التوصل إلى اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة»، كما كرّر التأكيد على «الهدف المشترك المتمثّل في استكمال المفاوضات خلال عام 2026». وأثناء اجتماعاته مع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، أكد الجانبان عزمهما التعاون بهدف توقيع اتفاقية التجارة الحرة بحلول نهاية العام الجاري.
وبالنسبة للهند، حملت زيارة مودي أهدافاً متعددة الجوانب، بدءاً من تعزيز العلاقات الثنائية وصولاً إلى تمثيل المصالح الهندية، سواء الاقتصادية أو الاستراتيجية، في أحد أهم المحافل متعددة الأطراف. وقد عزّزت لقاءاتُ مودي على هامش القمة مكانةَ الهند المتنامية في الشؤون العالمية، وأسهمت في ترسيخ صورتها كأحد أبرز أصوات الجنوب العالمي، بالتوازي مع انخراطها مع القوى الكبرى في ملفات التجارة والتكنولوجيا والأمن البحري.

*رئيس مركز الدراسات الإسلامية - نيودلهي



إقرأ المزيد