«القبّة الحرارية».. هل تجتاح أوروبا؟
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

تجتاح أوروبا حالياً موجةُ حرارة شديدة، حيث بدأت الأجواء الخانقة بالفعل في وسط أوروبا، وهي موجة بدأت تمتدُّ إلى غرب القارة والمملكة المتحدة وشبه الجزيرة الأيبيرية خلال الأيام المقبلة. وأصبح من الشائع تسجيل درجات حرارة ترتفع بنحو 20 درجة فوق المعدلات المعتادة، كما يُحتمل هبوب بعض العواصف الرعدية الشديدة.
وشهد يومُ الجمعة الماضي تسجيلَ أرقام قياسية جديدة لدرجات الحرارة المرتفعة لشهر يونيو الجاري، كما حدث في فرنسا، وهي مجرد بداية، إذ يتوقع أن تتسع رقعةُ الموجة الحارة خلال الأيام القليلة القادمة لتُسجل إسبانيا وفرنسا درجات حرارة تتراوح بين 15 و25 درجة فوق المُعدّل المعتاد، في حين تقترب جنوب إنجلترا من تسجيل 15 إلى 20 درجة فوق المعدّل المعتاد أيضاً. هذا وقد رفعت هيئةُ الأرصاد الجوية الوطنية في المملكة المتحدة تحذيرات باللون البرتقالي لمواجهة موجة الحر الشديدة يومي الاثنين والثلاثاء.
وقد تتعرض الفئات الأكثر هشاشةً لآثار صحية سلبية نتيجة الحرارة الشديدة، كما يُحتمل أن يواجه السكانُ بعضَ الأعراض السلبية تشمل حروقَ الشمس والإجهاد الحراري والجفاف والغثيان والإرهاق، وغيرها من الأعراض المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة.
ويمتلك نحو 20% فقط من المنازل الأوروبية أجهزةَ تكييف الهواء، مقارنةً بنحو 90% من المنازل في الولايات المتحدة. وفي لندن، تبلغ درجة الحرارة المرتفعة المعتادة في منتصف يونيو أو يوليو نحو 75 فهرنهايت، لكنها قد تبلغ 95 فهرنهايت هذه الأيام.
كما يخضع قُرابة ثلاثة أرباع الأقاليم الفرنسية الـ101 لتحذيرات باللون البرتقالي، بسبب ما وصفته هيئةُ الأرصاد الجوية الفرنسية بموجة حر «شديدة وطويلة الأمد». ومن المتوقع أن تتجاوز درجات الحرارة في باريس 90 فهرنهايت، وقد تُلامس الـ 100 فهرنهايت، علماً بأن المتوسط المعتاد للحرارة المرتفعة هناك هو 78 فهرنهايت.
وترتبط الموجة الاستثنائية بظاهرة «القُبّة الحرارية»، أو ما يُسمى «النتوء الهوائي»، وهو عبارة عن مرتفع جوي من الهواء الساخن والهابط ذي الضغط الجوي العالي. ويعمل هذا الضغط العالي كحقل قوة في غلاف جوي يُحرّف مسار العاصفة والطقس السيئ، مما يسمح لأشعة الشمس المستمرة بتسخين الأرض، بينما يعمل الهواء الهابط على زيادة جفاف الأجواء وتسخينها بشكل أكبر.
 وكانت هذه القبّة الحرارية تتمركز يوم السبت فوق ألمانيا وبحر البلطيق، لكنها تراجعت غرباً واشتدت يوم الاثنين، لتهيمن فوق القنال الإنجليزي بين يومي الثلاثاء والخميس، قبل أن تخفّ حدّتها وتتحرك شرقاً في أواخر الأسبوع.وبما أن الهواء الدافئ يتمدد، فإن القبة الحرارية تتسبب حرفياً في انتفاخ الغلاف الجوي إلى الأعلى. وينظر خبراء الأرصاد الجوية إلى ارتفاع مستوى 500 مليبار، أو ما يُقارب «منتصف» كتلة الغلاف الجوي. وفي قلب القبة الحرارية، يرتفع هذا المستوى عن المعدّل الطبيعي بأكثر من ملعبَي كرة قدم. ويعود ذلك إلى التمدد والانتفاخ الفعلي للهواء.
وقد أدى الارتفاع المتزايد في الحرارة إلى اندلاع عواصف رعدية شديدة في شمال فرنسا وغرب بلجيكا، الجمعة الماضي، صاحبتْها رياحٌ متفرقةٌ وهطولُ حبات برَد. ومع ذلك، فإن كتلة الهواء الساخن والهابط قد تُبدِّد أي محاولات لتشكل هذه العواصف الرعدية.
لماذا تستمر القباب الحرارية في التشكُّل غرب أوروبا؟
تُعد القباب الحرارية جزءاً من المناخ الصيفي الطبيعي في أوروبا، إلا أنها تكررت بكثرة خلال السنوات الماضية. وقد شهد يونيو 2025 قبّةً حراريةً تسبّبت في موجة حر بحرية قياسية في البحر الأبيض المتوسط، تلتها قبةٌ أخرى بعد بضعة أشهر في أغسطس. وبالانتقال إلى عام 2026، كانت القبةُ الحرارية الأخيرة هي الثانية التي تضرب أوروبا خلال شهرين فقط، حيث تأتي عقب موجة قياسية أخرى شهدها شهرُ مايو الماضي.
فهل يمكن أن تكون لهذه القباب الحرارية علاقة عكسية بـ«الكتلة الباردة» الغامضة من مياه المحيط في شمال الأطلسي، والتي قد تؤدي في النهاية إلى تبريد مناخ أوروبا؟
تساهم تلك الكتلة المائية الباردة، والتي قد تكون متأثّرةً بمزيج من التقلبات الطبيعية وذوبان الجليد الناتج عن الاحتباس الحراري بفعل الأنشطة البشرية، في تقوية رياح التيار النفاث في غرب المحيط الأطلسي، حيث تتغذّى هذه الرياح القوية من الفوارق الكبيرة في درجات الحرارة بين الكتلة الباردة والمياه الأكثر دفئاً إلى الجنوب منها، مما أدى إلى طقس عاصف ومنخفضات جوية مستمرة في شمال الأطلسي.
لكن الغلاف الجوي يميل دائماً إلى تحقيق التوازن، فبينما تشتد العواصف فوق منطقة ما، غالباً ما تتحول الظروف في مكان آخر للتعويض. وعلى بُعد نحو 2000 ميل من تلك الكتلة الباردة، شهد غرب أوروبا رياحاً أضعف في التيار النفاث على مدار العام الماضي. وقد تسببت هذه الرياح الضعيفة في ظهور مناطق متكررة من الضغط المرتفع، والتي يمكن أن تتحول إلى قباب حرارية، لا سيما عندما تتشكّل في الصيف. وبإمكان هذه القباب الحرارية الآن إنتاج درجات حرارة أعلى مما كانت عليه في الماضي، مدفوعةً بالتأثير طويل الأجل لارتفاع درجات الحرارة العالمية.ولا تظهر الكتلة الباردة أي علامات على التراجع هذا الصيف، وهو ما قد يرتبط، على نحو غير متوقّع، بتشكُّل المزيد من القباب الحرارية في غرب أوروبا خلال الأشهُر المقبلة.


 
 *خبير أرصاد جوية وكاتب متخصّص في شؤون الطقس والمناخ 


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»



إقرأ المزيد