جريدة الإتحاد - 6/25/2026 11:34:17 PM - GMT (+4 )
نقف في هذه الفسحة الثقافية عند إشكال فلسفي معاصر يتمثل في التساؤل عن مصير الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي: هل سيظل الإنسان مركز العالم التقني الجديد، أم سيتحول تدريجياً إلى مجرد عنصر داخل منظومة تقنية شاملة؟ وهل يستطيع الحفاظ على حريته وكرامته ومسؤوليته الأخلاقية في ظل التطور المتسارع للأنظمة الذكية؟
لمعاينة هذا الإشكال نستأنس بتحليل مفهوم التقنية عند الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر، الذي رأى أن التقنية ليست مجرد أدوات وآلات، بل طريقة خاصة في فهم العالم والكشف عن الموجودات. فالتقنية الحديثة تجعل الإنسان ينظر إلى الطبيعة والأشياء، بل وإلى الإنسان نفسه، بوصفها موارد قابلة للحساب والاستغلال والإنتاج. ومن هذا المنظور اعتبر هيدغر أن التقنية الحديثة تمثل اكتمال الميتافيزيقا الغربية التي استبدلت سؤال «ما الوجود؟» بسؤال«كيف نسيطر على الموجودات ونستثمرها؟»
وفي ضوء هذا التحليل، يمكن فهم الذكاء الاصطناعي بوصفه التعبير الأكثر تقدماً عن المنطق التقني المعاصر. فالذكاء الاصطناعي يتعامل مع العالم من خلال البيانات والمعطيات القابلة للقياس والتنبؤ، حيث تتحوّل اللغة والصور والسلوك الإنساني إلى معلومات رقمية قابلة للمعالجة الحسابية. ومن هنا لا تكمن أهمية الذكاء الاصطناعي في قدراته التّقنية فحسب، بل في تأثيره العميق في طريقة فهم الإنسان لنفسه وللعالم من حوله.
لكن ما أبرز التحديات الأخلاقية التي يطرحها الذكاء الاصطناعي، لعل أول تحدّ هو «التحيز الخوارزمي» الذي قد يعيد إنتاج أشكال الظلم والتمييز، وكذا «فجوة المسؤولية» المتعلقة بتحديد الجهة المسؤولة عن أخطاء الأنظمة الذكية، وكذا «مشكلة الشفافية الخوارزمية» أو ما يعرف بـ«الصندوق الأسود»، إضافة إلى الإشكالات المرتبطة بمستقبل الإنسان في ظل مشاريع ما أصبح يسمى بـ«الإنسان المعزّز» وتداخل البيولوجي بالرقمي.
فما العمل أمام هذه التحديات وأضرابها؟ وهل لا تزال الفلسفة قادرة على تقديم إطار أخلاقي يوجّه التطور التقني؟ يمكن الوقوف هاهنا عند أربع قيم أساسية يمكنها أن تؤطر الذكاء الاصطناعي: الكرامة الإنسانية، والمسؤولية الأخلاقية، والحرية، والسعادة. فالكرامة تقتضي ألا يُختزل الإنسان إلى مجرد بيانات أو أداة إنتاج، والمسؤولية تؤكد أن القرار الأخلاقي يظل مسؤولية بشرية مهما بلغت الآلة من التعقيد، والحرية تقتضي حماية استقلالية الإنسان من هيمنة الخوارزميات، أما السعادة فتذكرنا بأن جودة الحياة لا تختزل في الكفاءة التقنية، بل تشمل المعنى والإبداع والعلاقات الإنسانية.
ويمكن أن نستحضر ها هنا تراثنا الفلسفي الإنساني والإسلامي لبيان دوره الممكن في بناء ذكاء اصطناعي إنساني. فالفارابي مثلاً جعل غاية الاجتماع الإنساني تحقيق السعادة المشتركة، أما ابن سينا فربط كرامة الإنسان بالعقل والمعرفة، بينما أكد ابن رشد أن الحكمة غاية النظر العقلي والعمل الأخلاقي. وتقدم هذه التصورات رصيداً فكرياً يمكن أن يسهم في توجيه التقنية نحو خدمة الإنسان لا الهيمنة عليه.
وأخيراً، فإننا فإن هيدغر لا يرفض التقنية في ذاتها، ولا يدعو إلى تدمير الآلات. إنما يحذر من شيء أعمق: أن نعتقد أن الطريقة التقنية في رؤية العالم هي الطريقة الوحيدة الممكنة. فإذا أصبح كل شيء قابلاً للقياس، وقابلاً للحساب، وقابلاً للتنبؤ، فإننا نفقد أبعاداً أخرى من الوجود مثل: الجمال، والشعر، والحب، والحكمة، والتجربة الروحية، والتأمل الفلسفي. ومن هنا فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في ازدياد ذكاء الآلات، بل في قدرة الإنسان على توجيه هذا الذكاء وفق قيم الحرية والعدالة والكرامة والخير العام. فمستقبل الذكاء الاصطناعي لن تحدده الخوارزميات وحدها، بل سيحدده أيضاً نوع الإنسان الذي نريد أن نكونه، ونوع العالم الذي نريد أن نبنيه للأجيال القادمة.
*مدير مركز الدراسات الفلسفية بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.
إقرأ المزيد


