جريدة الإتحاد - 6/26/2026 12:23:54 AM - GMT (+4 )
حين انتقلت من «بر اليزيرة» إلى واحة العين، تجرُّ ثلاثة أبناء صغار وبنتاً لم تُفطَم بعد، قطع بهم «المجري» خمسة أيام على حول زمول قاطعاً رمول الطَفّ، متوقفاً عند ظل شجرات أو عند بدع من البدوع، كانت قاصدة أمها وخوالها، بعد فجيعة موت الزوج وهو عائد من رحلة الغوص، حيث قبضته حمى نفّاضية باتت ترعد جسده ثلاث ليال حتى فاضت روحه، صلى عليه البحارة وغسلوه على ظهر السفينة، ثم كفنوه في إزاره وما تيسر من قطع ثيابه، ورُبط بثقل من حجر ورُمي في عرض البحر ليستقر في قاعه، هكذا أخبرها النوخذة، حيث أقفل الناس وتلاقى البحارة العائدون على سيف البحر بعائلاتهم وسط شهقات الفرح بالحضور، وحشرجات الحزن بالمفقودين، واساها الناس مثلما واسوا نساء حزينات لفقد زوج أو ابن أو أخ، هكذا كان سلو البحر، وضريبة طلب الرزق الحلال في تلك الغبب الزرقاء.
يومها شعرت أنها وُلدت للمرة الثالثة، مرة حين ولدتها أمها في العين، وثانيها حين تزوجت بحّاراً من أهل أبوظبي، والثالثة هذه الليلة الثكلى بفقد ذاك الرجل الذي تذكره دوماً بالخير.
باعت بيتها، عريشها وحوّيها ومرافقه، ورائحة زوجها في البطين، مسددة ما بقي من دين عليه في «دفتر الرادي» وقررت الفرار من البحر إلى تلك اليابسة التي تحبها، خوفاً أن يطلب منها أولادها إنْ كبروا أن يركبوا البحر، وقررت أن يتربوا في حضنها خوف الفقد، وأن تجعلهم لا يحتاجون شيئاً، قررت أن تحلّ مكان الزوج الذي ظلت تترحم عليه، وتبكيه في خلوتها، وتقص عليهم في مساءاتها حكايات عنه.
وسَّعت بيت أمها وجاورت خوالها، واشترت «يلبة» نخل، وظلت تعمل فيها، وتبيع محاصيلها، ثم اشترت النخل المجاورة بعد اختلاف الورثة على تركة أبيهم، وظلت تطني النخل على أهل الساحل الذين يعرفونها ويحضرون عندها صيفاً، تاركة بيتها، وقاصدة بيت النخل، وقبيل عودتهم من الحضار تبيعهم التمر المكنوز، وتمر الفرض والحسيل، وما تدره أبقارها من سمن ويقط، واللومي اليابس، وبهارات من تسعة أصناف خلطة يدها، وما يمكن أن يكون زوادة شتائهم في الساحل.
كبر الأولاد قليلاً وأصبحوا يساعدونها وهي تربيهم وتدربهم وتعلمهم، وحدها البنت التي ظلت دلع جدتها وأمها، كانت جميلة للغاية، وإخوانها ظلوا يحرسونها بستر البيت، ويكفونها «عبولة» التعب، كانت جدتها تقول: مزيونتي هذه ما بيأخذها إلا كبير القوم!
كان أهالي أم سبع البلادين يعدون الأم عن ثلاثة رجال، ويحلفون برأسها، وكلمتها تقلط على الشارب، صدقها وأمانتها جعلاها محط أنظار الجميع، وتقرَّب لها الكثير لكنها كانت تقول دوماً: زوجي هم عيالي، صادة الباب عليها، وعلى سعادة فلاحها ونجاحها واشتداد عود أولادها.
لم تترك أم سبع البلادين إلا مرة، حين شدّها الحنين، ورائحة الزوج في البطين، ذهبت مصطحبةً أولادها إلى «اليزيرة»، علهم يذكرون أو يتذكرون، لكنها لم تعد إلى أم سبع البلادين إلا بعد أن اشترت ذلك البيت القديم في البطين، فرحة بأن رائحة الزوج عادت وحدها تفوح من ذلك البيت من جديد.
إقرأ المزيد


