جريدة الإتحاد - 7/14/2026 10:27:15 PM - GMT (+4 )
يبلغ الإرهاب ذروته حين تتبنّاه الدولة نفسها نهجاً لممارسة القوة. فعندئذ لا يعود العنف فعلاً معزولاً أو تجاوزاً عابراً، بل يصبح سياسة تُسخَّر لها مؤسّسات الدولة، وجيوشها، وقدراتها العسكرية، ومواردها السيادية. وعندما تتجه هذه القوة إلى استهداف المدنيين، والسفن التجارية، والممرات البحرية الدولية، ورعاية الميليشيات المسلحة، ودعم الخلايا الإرهابية، فإن العالم لا يكون أمام نزاع سياسي أو عمل عسكري تقليدي، بل أمام إرهاب دولة يُقوِّض القانون الدولي، ويُهدِّد النظام الذي يقوم عليه الأمن والسلام العالميان. ولذلك يبقى إرهاب الدولة أخطر صور الإرهاب، لأنه يجمع بين شرعية السلطة وقوة الدولة، ويوظِّفهما في خدمة العنف، بدلاً من توظيفهما في حماية القانون.
ويُجسِّد الهجوم الإرهابي الذي استهدف الناقلتين الوطنيتين الإماراتيتين (ممباسا) و(الباهية) بصاروخين إيرانيين في الممر الجنوبي لمضيق هرمز هذه الحقيقة بأوضح صورها. فلم يكن الاعتداء موجَّهاً إلى هدف عسكري مشروع، بل إلى سفينتين تجاريتين مدنيتين في أحد أهم الممرات البحرية الدولية. ولم يكن المستهدف السفينتين وحدهما، بل الثقة التي يقوم عليها النظام التجاري العالمي.
فحرية الملاحة ليست امتيازاً لدولة بعينها، وإنما مبدأ دولي يضمن انسياب التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد بين الدول، ويجعل الاقتصاد العالمي قادراً على العمل في ظل قواعد مستقرّة. ومن هنا، فإن استهداف السفن التجارية لا يُمثِّل اعتداءً على وسيلة نقل، بل على أحد القواعد والمبادئ الأساسية التي تجعل التجارة الدولية ممكنة. ولا يُمثِّل هذا الاعتداء خروجاً على النَّهج الذي انتهجه النظام الإيراني على مدى عقود، والقائم على توظيف الميليشيات المسلحة، واستخدام الوكلاء، وتهديد الملاحة الدولية، وتوظيف العنف لتحقيق أهدافه السياسية والإقليمية. ولذلك لا تبدو حادثة الناقلتين واقعة استثنائية، بل امتداداً منطقياً لسياسة تجعل الإرهاب جزءاً من أدوات الدولة، وتسعى إلى فرض الإرادة خارج إطار القانون الدولي. فالوقائع قد تتغير، لكن النَّهج يبقى واحداً: استخدام وسائل غير مشروعة لإكراه الدول، وتقويض الاستقرار، وإضعاف الثقة بالنظام الدولي. وهنا تتجاوز خطورة إرهاب الدولة حدود إرهاب التنظيمات المسلحة.
فالتنظيم الإرهابي، مهما اتسع نشاطه، يبقى محدود الإمكانات، أما حين تتبنّى دولة الإرهاب سياسة لها، فإنها توظِّف مؤسساتها، وجيوشها، وقدراتها العسكرية، وإمكاناتها الاقتصادية والدبلوماسية لخدمة هذا النهج. وعندئذ لا يقتصر الخطر على الضحايا المباشرين، بل يمتد إلى تقويض القواعد التي تنظِّم العلاقات بين الدول، وإحلال منطق القوة محل القانون، ومنطق الابتزاز محل الشرعية، بما يحوِّل الإرهاب من جريمة إلى سياسة دولة.
وانطلاقاً من هذا الفهم، جاء الموقف الإماراتي مؤسّساً على القانون الدولي بوصفه الإطار الذي يحكم التعامل مع مثل هذه الاعتداءات. فلم تتعامل الدولة مع الهجوم باعتباره شأناً وطنياً فحسب، بل بوصفه انتهاكاً لقواعد تحمي الأعيان المدنية، وتحكم العلاقات بين الدول. ولذلك دعت إلى محاسبة المسؤولين عن هذا الاعتداء، مؤكِّدة أن الدفاع عن السيادة لا ينفصل عن الدفاع عن الشرعية الدولية التي تكفل أمن الدول واستقرارها.
ومن هنا، فإن مسؤولية المجتمع الدولي لا تبدأ عند إصدار بيانات الإدانة، وإنما عند ضمان عدم إفلات مرتكبي هذه الاعتداءات من المساءلة. فالتاريخ يُثبت أن الإرهاب الذي لا يُواجَه بحزم لا ينحسر، بل يزداد جرأة واتساعاً. ولذلك فإن إنفاذ قواعد القانون الدولي، وملاحقة المسؤولين عن استهداف المدنيين، وتجفيف مصادر دعم الجماعات المسلحة، تُمثِّل ركائز أساسية لحماية شرعية النظام الدولي ومنع ترسيخ الإرهاب أداةً في العلاقات بين الدول.
إن أخطر ما في النظام الإرهابي الإيراني أنه لا يُهدِّد دولة بعينها، بل يسعى إلى تقويض الأسس التي يقوم عليها النظام الدولي، وتحويل الإرهاب من جريمة يعاقب عليها القانون إلى سياسة تمارسها الدولة لتحقيق أهدافها السياسية.
فإرهاب الدولة لا يقتل ضحاياه وحدهم، بل يقتل الثقة التي تقوم عليها حرية الملاحة، واستقرار التجارة، وأمن الطاقة، وشرعية النظام الدولي ذاته. فالإفلات من المساءلة لا يُطيل عمر الجريمة وحدها، بل يُقوِّض الأساس الذي يقوم عليه النظام الدولي.
*كاتب وباحث إماراتي
إقرأ المزيد


