«مذكرة التفاهم».. وماذا عن أمن الخليج؟
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

لم يعُد أمن الخليج العربي شأناً إقليمياً فحسب، بل غدا ركناً أساسياً في الاستقرار الدولي، نظراً إلى مكانة المنطقة في أسواق الطاقة العالمية، وتشابك مصالح القوى الكبرى فيها. ومن ثمّ، فإن أي تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران لا يمكن اعتباره اتفاقاً ثنائياً فقط، بل تطوراً يعيد رسم البيئة الاستراتيجية التي تتحرك ضمنها دول مجلس التعاون الخليجي.
ولا شك في أن أي جهد يخفف احتمالات المواجهة العسكرية يستحق الترحيب، إلا أن نجاحه الحقيقي لا يقاس بخفض التصعيد وحده، بل بقدرته على معالجة الأسباب التي صنعت أزمات المنطقة. فقد أثبتت التجارب أن الاتفاقات الثنائية قد تدير الأزمات مؤقتاً، لكنها لا تؤسس لاستقرار دائم إذا تجاهلت البيئة الأمنية الإقليمية.
ومن هذا المنطلق، فإن مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية، بصيغتها المتداولة، لا تبدو مستجيبة بصورة كافية لأولويات الأمن الخليجي، إذ يتضح أنها ركزت على جوانب محددة، بينما أغفلت قضايا لا تقل أهمية، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ووقف استخدام القوة أو التهديد بها، وإنهاء أنماط الصراع غير المباشر، فضلاً عن عدم التطرق إلى برامج الصواريخ الباليستية، والأذرع المسلحة، والخلايا المرتبطة بالنفوذ الإيراني في المنطقة.
 والقضية الجوهرية ليست البرنامج النووي الإيراني وحده، وإنما طبيعة السلوك الإقليمي الذي أسهم في تكريس حالة من عدم اليقين الاستراتيجي. ولذا، فإن أي اتفاق يقتصر على الملف النووي أو إدارة العلاقة بين واشنطن وطهران سيظل محدود الأثر في حسابات الأمن الخليجي.وتبرز حرية الملاحة في مضيق هرمز باعتبارها الاختبارَ الأهمَّ لأي ترتيبات مستقبلية. فهذا المضيق ممر دولي حيوي، واستمرار انسياب الملاحة فيه، وفق أحكام القانون الدولي، يجب أن يكون التزاماً ثابتاً، لا ورقةَ ضغط سياسية تستخدم في أوقات الأزمات.
 وبطبيعة الحال فإن دول مجلس التعاون لم تعُد كما كانت قبل عقود، فقد طورت قدراتِها العسكرية، وعزُزت شراكاتِها الدولية، وأصبحت لاعباً محورياً في أمن الطاقة والاستقرار الإقليمي. ومن ثمَّ، فإن أي ترتيبات أمنية تتجاوزها أو تتعامل معها باعتبارها متلقيةً للنتائج، لا شريكاً في صياغتها، ستفتقر إلى الشرعية والفاعلية.
كما أن التحولات الدولية، واتجاه النظام العالمي نحو تعدد مراكز القوة، تفرض على دول الخليج الانتقالَ من الاعتماد على الضمانات الخارجية إلى بناء استقلالية استراتيجية قائمة على منظومة ردع خليجية مشتركة، دون التخلي عن الشراكات الدولية. ويقتضي ذلك تعزيزَ التكامل الدفاعي، وتوسيعَ التنسيق السياسي، وتوحيدَ الرؤية الاستراتيجية، إلى جانب تطوير الأمن السيبراني، وأمن الطاقة، والأمن البحري، والقدرات الصناعية والتكنولوجية على اختلافها.
 وفي هذا السياق، تنسجم الرؤيةُ الإماراتيةُ مع متطلبات المرحلة، إذ تَجمع بين دعم الحوار والدبلوماسية، والتمسك بسيادة الدول، واحترام القانون الدولي، ورفض فرض الأمر الواقع. وهي رؤية تؤكد أن السلامَ المستدامَ لا يتحقق إلا عبر منظومة أمن إقليمي تقوم على الثقة المتبادلة والمصالح المشتركة.
وعليه، فإن المرحلة المقبلة تستدعي انتقالَ مجلس التعاون من موقع المتأثر بالتفاهمات الدولية إلى موقع الشريك في صناعتها. فالأمن الخليجي ينبغي أن يكون جزءاً أصيلاً من أي تفاهم دولي، لا نتيجةً له، بما يرسخ مفهوم «العقد الأمني الخليجي الجديد» القائم على اتحاد ردع خليجي يحمي مصالح المنطقة ويعزز استقرارها. وفي المقابل، فإن أي رهان على استخدام مضيق هرمز بوصفه أداةً للضغط أو الابتزاز لن يقود إلا إلى مزيد من العزلة والتصعيد، وهو خيار أثبت التاريخُ كلفتَه الباهظة.


*سفير سابق



إقرأ المزيد