جريدة الإتحاد - 7/15/2026 12:19:49 AM - GMT (+4 )
كنت أول من سكن هذا الحي، وعلى مدى سبع سنوات شهدت تفاصيل الحياة التي أخذت تدب فيه. وكنت أول من أنشأ مجموعة عبر الواتساب لجاراتي، غير أنه مع الوقت علمت بوجود مجموعة أخرى فانضممت إليها، وأدخلت من كان في مجموعتي إليها كذلك.
تآلفت ولسنوات مع المجموعة، وكنت أشارك حين يكون لديّ ما يستحق أن يُقال؛ خبر صحفي يهم السكان، أو معلومة نافعة، أو تنبيه يتعلق بالمنطقة، أو صور وإحداثيات لخدمة جديدة قد تفيد الجميع.
انتبهت وأنا خارج الدولة إلى أنه تمت إزالتي، وعندما سألت بعض الجارات عن السبب، الذي اعتقدته خللاً، أخبرنني بأن مشرفة المجموعة قررت استبعاد عدد من العضوات بحجة قلة مشاركتهن! تواصلت معها مباشرة، وكان ردها المقتضب: «سأرى الموضوع». انتهى الأمر عند هذه الجملة التي لحقها صمت لما يزيد على شهر. وأخيراً أرسلت لي رسالة قصيرة تخبرني فيها أنهن أعدن إضافتي إلى المجموعة!
أكثر ما استوقفني في الأمر ما أتضح لي عن طبيعة «الانتماء» في عصرنا الرقمي. بالتأكيد لم يتغير الحي الذي أسكنه منذ سبع سنوات، لكن شعوري به قد تغير، إذ تسببت ضغطة زر واحدة بأن جعلتني أشعر، ولو للحظة، أنني أصبحت خارجه! هذا لأننا أصبحنا نظن أننا ننتمي إلى مجتمع ما، وأن لنا حضوراً داخل جماعة ما، لمجرد أننا في قوائم إلكترونية تجمعهم!
لم تعد القضية قصة مجموعة واتساب، بل تشكل ثقافة جديدة يختلط فيها التنظيم بالهيمنة والإقصاء، والانتماء بالحضور الرقمي! اللافت فعلاً في هذا التصرف، الذي يتكرر في مجموعات الجارات وغيرها من الجماعات الافتراضية ذات المنفعة، أن من يمتلك صلاحية الضغط يمنح الآخرين حق الانتماء أو العكس. وهذا في رأيي من أخطر التحولات التي صنعتها المساحات الرقمية بتحكمها في من يبقى داخل الدائرة ومن يدفع خارجها.
اعتقد أنه حان الوقت لنتوقف ونتساءل: متى أصبحنا نتعامل مع هذه السلطة الافتراضية كما لو كانت حقيقة اجتماعية؟ ومتى بدأنا نخلط بين إدارة وسيلة تواصل، وإدارة العلاقات الإنسانية ذاتها؟! قد تبدو للبعض قصة عادية لا تحتمل هذا القدر من الأسئلة، لكن التأمل فيها يخبرنا بنموذج للتغيرات التي تحدث في نفوس البشر ولسلوكياتهم في المجتمع من حولنا. فالإنسان لا يغير سلوكه عندما يصغر المسرح، إنما يكشف حقيقته بصورة أوضح.
ولهذا كان قراري بمغادرة المجموعة بعد ما تمت إضافتي، بضغطة زر تحمل شيئاً من الوفاء للمعنى الحقيقي وللانتماء كما أعتقده.
إقرأ المزيد


