سماء الهواية.. درب الغواية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

تجربتك أيها الإنسان هي فائدة لأخيك ولغيرك، إنْ أحسن استقبالها، وأتقنت أنت تقديمها، هكذا هي تجارب الإنسان العادي، هي تجارب صغيرة، ولكنها ربما تفضي إلى نتائج كبيرة، ويقدم عليها الإنسان عادة في البداية من أجل نفسه، حتى يجد أنها تفيد غيره، دون أن يتكبد الآخر عناء التجربة، ومشقة الجهد، وهدر الوقت، لكن معظم هذه التجارب الناجحة قد نخطئ حين نقدمها بطريقة إرشادية وتعليمية أو فيها شيء من التعالي والمفهومية والنصح الأبوي، فتضل طريقها، ولا يقبلها الآخر، وإنْ قبلها قبلها ببعض المرارة في الحلق، لذا حين نريد أن ننقل تجاربنا الناجحة لأولادنا أو للآخرين علينا أن نقدمها ملفوفة في ورق «سوليفان» أو مذهبة كحبة «الشوكولا»، ولا نجهر بها علناً، ولا نبخل بها، ولا نقدمها للشخص الذي نشعر أنه لن يقدرها، ولن يشكر فاعلها. هناك الكثير من التجارب التي نعدها ناجحة في حياتنا، لكننا لا نقدر أن نقنع بها الآخرين، وربما تأسفنا حينها على حالهم، لأنهم لم يأخذوا بها، وعلى حالنا لفشلنا في التسويق لتجارب في الحياة ناجحة، وتعميمها على الناس.
في بداية العمر قررت أن لا أدخن، ربما من دون تفكير واضح، ولا وعي مبكر، ربما كنت أريد أن أكون مختلفاً، ومغايراً لبعض الأصدقاء، وربما لتجربة خضتها مع أبي الذي كان مدخناً في أول عمره، وقررت أن أصرف فلوس السيجارة التي يصرفها أصدقائي على السيجارة في شراء كتاب أو مجلة، ومع العمر والوقت ازداد عندي معنى عمق هذه التجربة الصغيرة، وأفضت بي دخول عالم من القراءة جميل، واعتبرت، وفرحت، كون هذه التجربة الصغيرة قد ساهمت في تأسيس الشخصية، وبناء مكتبة كبيرة، لكنني لم أستطع أن أقنع أحداً بقيمتها، وربما عدَّني البعض حين يسمعها بمثالية غير ضرورية، وهو لا يحتاجها، ولا زمنه، والبعض منهم أنبني لأنني لم أستمتع بواحدة من متع الحياة، والبعض الآخر ربت على كتفي شاكراً دون اقتناع حقيقي بهذه التجربة التي خضتها.
التجربة الثانية كانت مع الكتابة، وبداية إغواء النشر، وبداية تلمس النجاح، كانت تضمُّنا منتديات وجلسات ولقاءات يفترض أن تكون أدبية وثقافية وفكرية، لكنها مع الوقت كانت تتخللها نميمة ثقافية واضحة، فلان يقرض الشعر، ولا يكتبه، فلان هناك من يكتب له، فمن غير المعقول أن يكون مواطناً، ويعرف أن يكتب، فلانة ما تعرف من بحور الشعر إلا بحر الكورنيش، والشاعرة فلانة تهتم بشَعرِها أكثر من شِعرها، وتلك لولا الكاتب الفلاني تبنى موهبتها لما ظهرت في الصحف والمقابلات التلفزيونية الكثيرة، فقلت هناك قرابة الساعتين إلى ثلاث ساعات نغيبها في الغيبة، والنميمة الثقافية، ولا نحرق بها مرحلة من المراحل إلا سِير الناس، وبالتالي لن تظهر لي مجموعة قصصية أو رواية واعدة أو أي كتاب، فقررت أن أتعلم مبادئ اللغة الإسبانية، وأنقطع عن وِرد المتثاقفين والثرثارين، رغم أني يومها ربما ما كنت بحاجة لتعلم مبادئ اللغة الإسبانية، وبعد مرور حولين كاملين رجعت إلى جلسة المتثاقلين والمدخنين، ورأيتهم جالسين على «حطة اليد» متحولقين حول طاولات خشبية متهالكة أو بلاستيكية مشمخة، وكأسات الشاي شبه الفارغة والباردة قليلاً، ومنفضات سجائر مرشوشة ببقايا ماء أو قهوة تركية، ويلوكون سيرة من يغيب عنهم، ويحطون من نجاح الآخر، ولا يفرحون للدنيا، ولا للنظيف، والإحباط مترسب على الكبد، ويحرق المعدة، وأشياء كثيرة تثقل الكتف، ولا تجعل الذي يحب الطيران أن يحلق بعيداً، وعميقاً في سماء الهواية، لا في درب الغواية.



إقرأ المزيد