جريدة الإتحاد - 7/15/2026 10:48:48 PM - GMT (+4 )
وقفنا في ختام الحديث السابق عند سؤال يفرض نفسَه: كيف تنفتح الأمة على معارف العالم وتتحاور معها أخذاً وعطاءً؟ والجواب يتجلّى في فعل حضاري عريق، حملته الأمم الناهضة جسراً بينها وبين غيرها، فعبرت عليه المعارفُ من ضفة إلى أخرى.
والترجمة في جوهرها لقاءٌ بين العقول ومُثاقَفةٌ بين الحضارات، تنقل الحكمةَ من موطنها الأول إلى مَواطن جديدة، فتُخصبها وتُغنيها. وفي تاريخ أمتنا شاهدٌ ناطقٌ على أن الترجمة تصنع النهوضَ حين تُحسن المجتمعاتُ استثمارَها وتجعلها رافداً لإبداعها. ويكفي أن نستحضر حركةَ الترجمة الكبرى في بغداد العباسية بين القرنين الثاني والرابع للهجرة، يوم احتضنت دارُ الحكمة تراثَ اليونان والهند والشرق، فنقلته إلى العربية نقلاً واعياً مبدعاً. وتجاوز المترجمون العربُ حدَّ النقل الأمين، فأضافوا وصحّحوا وانتقدوا، حتى استحالت العربيةُ لغةَ العلم الأولى في عصرها. وتألقت في هذا الميدان أسماءٌ مثل حنين بن إسحاق وثابت بن قرة، ممن جمعوا بين أمانة النقل وإبداع الإضافة. هذا الجهد الجبار صنع حضارةً منتِجة صاغت الطبَّ والفلسفةَ والرياضيات صياغةً جديدةً، وأثبت أن الترجمةَ فعلُ خلق يضاهي التأليفَ، متى صدرت عن عقل واثق بذاته. وتكتمل صورة هذا الحوار حين نتذكر أن المعرفة عادت أدراجَها، فعبرت من العربية إلى اللاتينية.
ففي مدارس طليطلة بالأندلس تُرجمت كنوز الفكر العربي إلى لغات أوروبا، وحملت شروحُ ابن رشد على أرسطو بذورَ النهضة إلى الغرب اللاتيني، حتى غدا فيلسوفُ قرطبة معلّماً لمدارس باريس وبادوا. تلك دورة كاملة تكشف حقيقةً عميقةً: المعرفة مِلك مشاع للإنسانية جمعاء، تنتقل بين الأمم انتقالَ الماء بين الأوعية، فتُحيي حيث تحلّ. والأمة المبدعة آخذة ومُعطية في آنٍ واحد. ترتقي الفلسفة بهذا اللقاء إلى مستوى النظر العميق، فترى في الفهم المتبادَل بين الثقافات ما سمّاه الفيلسوف غادامير «امتزاج الآفاق».
ومؤدَّى هذا المفهوم أن المرء حين يفهم الآخر يوسّع أفقَه ليشمله، فيتحوّل الطرفان معاً دون أن يذوب أحدُهما في صاحبه. على هذا الأساس يصير حوار الحضارات تلاقياً يُغني الذات بالغير ويحفظ لكلٍ خصوصيته، فيزول وهمُ التعارض بين الانفتاح والأصالة. وفي هذا المعنى يلتقي حوار الحضارات مع الغاية الكبرى للفلسفة: توسيع الأفق الإنساني حتى يسع تجاربَ البشر على اختلافها. ويُضيء بول ريكور جانباً آخر حين يصف الترجمةَ بأنها «ضيافة لغوية»، إذ يستقبل المترجمُ الكلمةَ الغريبةَ في بيت لغته استقبالَ المضيف ضيفَه، ويهاجر في الوقت عينه إلى لغة الآخر ليسكن فيها ويفهمه من الداخل.
في هذا الوصف البديع تتجلّى أخلاقُ الانفتاح مقرونةً برسوخ الجذور: كرمٌ يفتح البابَ للوافد، وثقةٌ تحفظ للبيت هُويتَه. هكذا تغدو الترجمةُ فناً في المضافة والمهاجرة معاً، يجمع بين الاعتزاز بالذات والترحيب بالعالم. يستوي في ذلك المترجم والفيلسوف، فكلاهما يَعبر إلى عالَم الآخر ليعود بزادٍ يُغني عالمَه.يتهدّد هذا اللقاء خطران يقفان على طرفَي نقيض: استنساخٌ أعمى يُفقِد الحضارةَ ملامحَها، وانغلاقٌ خائف يحرمها ثمارَ غيرها. والطريقُ الأقوم يمضي بينهما وسطاً، قوامُه الأخذُ الناقد الذي يَزِن الوافدَ بميزان العقل والقيم، فيقتبس النافعَ ويَصوغه في قالبه الخاص.
وذلك عين ما فعله أسلافُنا حين أخذوا منطقَ اليونان فطوّروه، وعلمَ الفلك فأتقنوه، فصارت المعرفة المنقولة معرفةً مملوكةً. أمةٌ تستعيد مشروعَها الحضاري تحتاج أن تترجم من جديد بثقة بغداد القديمة وجرأتها، آخذةً أحسنَ ما عند العالم، ومضيفةً إليه من معينها الأصيل. ويتّضح في خاتمة المطاف أن الترجمةَ جسرٌ تَعبر عليه الحضاراتُ لتتعارف وتتكامل، وأن الحوارَ الصادقَ يُغني الطرفين دون أن يبتلع أحدُهما الآخرَ. حين تفتح الأوطان نوافذَها على معارف العالم، بقلب واثق وعقل يقظ، تسترد موقعَها في ركب الإنسانية آخذةً ومانحةً.
تبقى بعد أن تمتلك حضارتنا معرفتَها المترجمة والمنتَجة مسألة تنتظر جوابها: كيف تنزل هذه المعرفة من أبراجها العالية إلى ساحات الناس؟ ذلك ما يقودنا إلى الإعلام والفلسفة العامة، موعدنا في الحديث المقبل.
*كاتب إماراتي
إقرأ المزيد


