الغرب وفلسفة التنوير
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

عَرفت الفلسفةُ الغربيةُ مرحلتين ذهبيتين: المرحلة الأولى كانت خلال العصر اليوناني في أثينا بجنوب القارة الأوروبية. وقد برز في هذه المرحلة فلاسفة مثل سقراط ثم أفلاطون وبعده أرسطو. وجاء من بعدهم أتباع مدارسهم الفلسفية الثلاث. أما المرحلة الثانية، فكانت في شمال أوروبا، أما زمنياً فقد امتدت بين القرنين السابع عشر والثامن عشر.

في هذه المرحلة، رسم المفكرون والفلاسفةُ علاماتِ استفهام حول العقائد المتوارثة وحاولوا إخضاعَها للنقد العقلي.. وقد عُرفت هذه المرحلة باسم «عصر التنوير». ويَعتبر بعض مؤرخي الفلسفة الغربية حصراً أن الإسلام فك ارتباطه بهذه الحركة الفكرية الأخيرة، أي حركة التنوير، مقدِّماً ثوابتَ الإيمان على المنطق المتغيّر والمتحرك، رغم أن الكثيرَ من مفكري الإسلام حاولوا التوفيقَ بين العلم والإيمان إلى حدّ اعتبارهما وجهين لحقيقة واحدة. وترسم المرحلتان معاً تاريخ الفلسفة الغربية، لا سيما مرحلة التنوير التي كان لها الأثر الأبرز على العالم باسره تقريباً.

وقد برز في تلك المرحلة مفكّرون من أمثال رينيه ديكارت وتوماس هوبس وباروخ سبينوزا وجون لوك وغوتفريد لايبنتس ودافيد هيوم وجان جاك روسو وفولتير. وقد عمل هؤلاء الفلاسفة باستقلال تام عن الجامعات وعن الضوابط الأكاديمية التي كانت سائدةً ومعتمَدَةً في زمانهم. انتقدوا بجرأة تلك الأفكار - أو معظمها - وحاولوا تحريرَها من الضوابط الجامعية الجامدة، ولذا فقد اعتُبروا «فلاسفة خطرين»، فتعرّضوا للنفي والسجن بسبب الأفكار التغييرية الجريئة التي طرحوها في مواجهة المسلّمات من الأفكار والموروثات الدينية الإيمانية والفكرية.

ومن ذلك مثلاً ما تعرّض له الفيلسوف سبينوزا من إدانة وتحريم. حتى أن بعض المرجعيات الدينية في هولندا أدانته وحكمت عليه بالكفر والزندقة.

وتعرّض بسبب ذلك للاضطهاد، فاضطر إلى «النفي الذاتي» لعدة سنوات، دفاعاً عن نفسه وعن أفكاره. واختار الفيلسوف هيوم أن يطبع سراً كتابَه الفلسفي «حوار حول الديانة الطبيعية». وجرى تداول هذا الكتاب، سراً كذلك، ولسنوات عديدة، إذ لم يجد مَن يَجرؤ في ذلك الوقت على طباعته علناً. وهرب الفيلسوف السويسري روسو من فرنسا إلى بريطانيا، على الرغم من أن العلاقات بين الدولتين لم تكن على ما يرام.

وفي عام 1784، نشر الفيلسوف الألماني «إيمانويل كانط» دراسةً تحت عنوان «ماذا يعني التنوير؟»، وفيها اختصر الإجابةَ بعبارة واحدة من كلمتين: «جرأة المعرفة». وفسّر ذلك بقوله إن الإنسانيةَ اعتمدت على المنطق للخروج من حالة اللانضج التي عاشتها لفترات طويلة. ولذلك اعتُبر «كانط»، حتى من جانب الفلاسفة أنفسهم، بأنه المثل الأعلى للفلسفة التنويرية، رغم أنه كان أقلّ تحريضاً ضد المسلّمات الدينية والمعنوية التي كانت معتمدةً في ذلك الوقت. لقد دفع «كانط» بالمنطق إلى حيث يجب أن يكون. وجاء بعد ذلك فولتير وروسو ليرفعا مفاهيمَ المنطق إلى مستويات غير مسبوقة في سلّم أولويات الفهم والإدراك، وتالياً في منظومة مشاعر الاحترام والتقدير.

انتقد فولتير، في دراسة له عنوانها «كيف تعرف»، بعضَ آراء روسو حول الإنسان البدائي، فاتهمه فيها بالمبالغة في كل شيء تقريباً. وقال في انتقاده: لا يمكن معرفة كيف كان يعيش الإنسان الأول، فتلك أمور يصعب الجزم فيها أو تأكيدها. وقد شجّع هذا الجواب الفلسفي إحدى دُور النشر التي حاولت استدراج «هيوم» لوضع كتاب حول هذا الموضوع ذاته. لكن «هيوم» ردّ على العرض قائلاً: «لقد أصبحتُ عجوزاً جداً، وسميناً جداً، وكسولاً جداً، وغنياً جداً، ولا يمكنني أن أوافق على هذا العرض».

*كاتب لبناني
 



إقرأ المزيد