العراق يواجه لحظة حاسمة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

قلما تخرج دولة من عقود من الدكتاتورية، والتدخل الأجنبي، والإرهاب، والحرب الأهلية والتدخلات الخارجية، لتجد نفسها أمام فرصة حقيقية لإعادة رسم مستقبلها. لكن العراق ربما يكون قد بلغ مثل هذه اللحظة.لكن هذه الفرصة ليست مضمونة بأي حال، فالتاريخ يشير إلى أن اللحظات المفصلية غالباً ما تُهدر أكثر مما تُستثمر. ومع ذلك، فإن التطورات الأخيرة، ومنها حملة غير مسبوقة لمكافحة الفساد، والجهود الرامية إلى إعادة احتكار الدولة للقوة، والمبادرات الهادفة إلى تعزيز سيادة العراق وتنويع شراكاته الدولية، تشير إلى أن العراق دخل أهم مرحلة في تاريخه منذ هزيمة «داعش».
وبمناسبة زيارة رئيس الوزراء العراقي لواشنطن، يبرز سؤال مؤداه: كيف يمكن للولايات المتحدة أن تساعد العراق في كسب هذه المنافسات الاستراتيجية؟ إذ تتمثل المنافسة الأهم في قدرة مؤسسات الدولة العراقية على أن تصبح أقوى من الشبكات غير الرسمية التي نافستها لسنوات طويلة.
فعلى مدى العقدين الماضيين، خضع العراق لتأثير نظامين متنافسين للسلطة، وهما المؤسسات الرسمية للدولة من جهة، وشبكات غير رسمية من الفساد والمحسوبية السياسية ونفوذ الميليشيات والتمويل غير المشروع والمؤسسات الإجرامية والدعم الخارجي، ولا سيما من إيران، من جهة أخرى. ولا تكمن أهمية حملة مكافحة الفساد الحالية في اعتقال شخصيات بارزة فحسب، بل في أنها تبدو موجهة إلى تفكيك هذه الشبكات نفسها، وليس مجرد ملاحقة أفرادها.
ويرتبط ذلك ارتباطاً وثيقاً بالصراع على احتكار الدولة للاستخدام المشروع للقوة. فلا يمكن لأي دولة ذات سيادة أن تستمر إذا احتفظت منظمات مسلحة بقدرات عسكرية مستقلة. وقد حدد رئيس الوزراء مهلة حتى 30 سبتمبر المقبل لجميع الجماعات غير الحكومية لنزع سلاحها. لذا، يعتبر إصرار العراق على أن الدولة وحدها من يجب أن تحمل السلاح أحد أهم الاختبارات التي تواجه الحكومة.
أما الحُكم فيمثل تحدي آخر، فالمؤسسات لا تستمد شرعيتها من السلطة القانونية فحسب، بل من كفاءة الأداء أيضاً. ويجب على المحاكم إقامة العدل بنزاهة. وعلى الوزارات تقديم خدمات عامة موثوقة، وعلى سلطات الجمارك تحصيل الإيرادات بنزاهة، وعلى مؤسسات العراق أن تتجاوز المحسوبية السياسية في تلبية احتياجات مواطنيها. فالحكومات تكتسب الثقة من خلال الكفاءة.
ثم تأتي السيادة، فلا يمكن للعراق أن يمارس استقلاله الاستراتيجي الكامل وهو لا يزال يعتمد اعتماداً مفرطاً على أي جهة خارجية. فالجغرافيا وحدها تضمن بقاء العراق وإيران جارين تربطهما أهمية استراتيجية متبادلة، لكن سيادة العراق ستتعزز بتنويع مصادر الطاقة، وتوسيع شراكاته مع دول الخليج والمستثمرين الدوليين الآخرين، وزيادة استغلاله للغاز الطبيعي، والمضي قدماً في مشاريع مثل طريق التنمية، وتوسيع علاقاته الاقتصادية.
كما تحتاج الحكومة إلى التكيف، فكل جهد إصلاحي ناجح يثير مقاومة، وتتطور شبكات الفساد، وتتطور الميليشيات، وتُغير التكنولوجيا باستمرار طبيعة المنافسة، من الأنظمة المالية والحملات الإعلامية إلى الأنظمة المستقلة المتطورة والطائرات المسيرة. وستكون المؤسسات التي تسود هي تلك التي تتعلم أسرع وتتكيف بشكل أسرع.
وقد يكون الاختبار الأخير هو الأهم. هل تستطيع الهوية الوطنية العراقية مواصلة النمو بقوة تفوق الولاءات الطائفية والفئوية؟ فالدول المستقرة لا تقوم على الدساتير وقوات الأمن فحسب، بل على مواطنين يرون أنفسهم شركاء في مشروع وطني مشترك. وقد حقق العراق تقدماً ملحوظاً منذ أحلك فترات الحرب الأهلية الطائفية. وسيتوقف استمرار هذا التقدم كثيراً على ما إذا كانت الهوية الوطنية ستظل تتفوق على الولاءات الأصغر.
وتتقاطع هذه التحديات، النجاح في أحدهما يعزز احتمالات النجاح في الأخرى، بينما يعقد الفشل في واحد باقي المسارات. وهي مجتمعة ستحدد ما إذا كانت الفرصة الحالية ستتحول إلى تحول دائم.
وقبل 20 عاماً، هددت حرب أهلية دامية بين العرب السُنة والشيعة بتمزيق العراق، قبل أن تؤدي استراتيجية زيادة القوات الأميركية وما رافقها من مبادرات سياسية وعسكرية واقتصادية ودبلوماسية إلى خفض العنف بشكل كبير وإعادة قدر من الاستقرار. أما اليوم، فيدور الصراع حول ما إذا كانت مؤسسات الدولة ستصبح أقوى من الشبكات السياسية والاقتصادية والمسلحة غير الرسمية التي قيدت سيادة العراق.
ولا تستطيع الولايات المتحدة، ولا ينبغي لها، أن تنجز هذه المهمة نيابة عن العراق، لأن العراقيين وحدهم قادرون على ذلك.
لكن بإمكان الولايات المتحدة تقديم الدعم عندما يطلبه العراق ويرحب به، ويمكنها مواصلة المساعدة في تطوير المؤسسات الأمنية المهنية، وتعميق التعاون الاستخباراتي، وتشجيع الاستثمارات الأميركية، ودعم جهود تعزيز الحوكمة، والمؤسسات القضائية، والشفافية، والإدارة العامة. وينبغي أن يعزز هذا التعاون المؤسسات لا الأفراد، والمهنية لا المحسوبية، والسيادة لا التبعية.
ومن شأن ذلك أن يخدم المصالح العراقية والأميركية معاً، لأن عراقاً أكثر قوة وسيادة واستقراراً سيحد من فرص عودة التنظيمات المتطرفة، ويقيد النفوذ الخارجي الخبيث، ويوسع الفرص الاقتصادية للشركات الأميركية والعراقية، ويسهم في ترسيخ الاستقرار في وقت يشهد فيه الشرق الأوسط تحولات استراتيجية عميقة.
إن اللحظات المحورية في التاريخ نادرة، وما تتيحه من فرص يصعب استعادتها إذا ضاعت. ويبدو أن العراق قد بلغ تلك اللحظة. وما إذا كانت ستصبح نقطة تحول حقيقية سيعتمد في المقام الأول على العراقيين أنفسهم.

* قائد سابق لقوات التحالف في العراق ومدير سابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»



إقرأ المزيد