جمعة مباركة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

اليوم الجمعة يذكرني أول ما يذكرني بعد ما صار نصف يوم عمل برسائل الجمعة التقيّة، الورعة، التي تقطر إيماناً من أصدقاء معظمهم كان شغل يوم الخميس الونيس الذي غاب هو الآخر، وأصبح الخميس يشبه أي يوم آخر، كالثلاثاء مثلاً، وتوارت تلك الرسائل التي تلعلع ليلاً، والأغاني الفرحة التي تتبعها.
عموماً.. رسائل الأصدقاء أو «مسجاتهم» الهاتفية متنوعة ومختلفة مثلهم وتشابههم، بعضها يفرحك، ويجعل صباحك معطراً برائحة الفل، بعضها يأتيك مبكراً عن فضل ركعتي الفجر، وكأنه واحد من شوابنا الأوليين حينما يمر بجانب بيت جاره، يدق على بابه في طريقه إلى المسجد مذكراً إياه بصلاة الفجر، موصيّاً إياه: «قم صل.. لا تخلي الشيطان يركبك أو يقطر في أذنك»!
آخرون من الأصدقاء يرسلون لك دعاء الصباح مع صور تلك الخلفيات غير المدروسة تماماً، بعض هذه الأدعية تطمئن النفس، وتعطيك طاقة إيمانية إيجابية، بعضها الآخر تشعر أنها في غير وقتها، وتجعلك غير واثق فيما تفعل من خير وأمانة وصدق في الحياة، هناك مسجات من أصدقاء يشعرونك أنهم مرابطون على الثغور، لأنها من بقايا آخر الليل، حيث تشير الساعة عادة إلى الثالثة وعشر دقائق، فلا تعتقد أنهم من القوّامين أو الركع السجود، لأن «مسجاتهم» لا تدّل على صلاح كبير أو أن الواحد منهم قام يصلي له ركعتي تهجد في دبر الليل.
بعض الأصدقاء لا ترى رسائلهم إلا يوم الجمعة، وهم أكثر التزاماً، ولا يفوتون أجرها وثواب يوم الجمعة، ولا يمكنك إلا أن ترد عليها بمثلها أو بأحسن منها أو أقلها أن تدعو لصديقك في السر، لكنها رغم ذلك تشعرك أنها رسائل «تدوير أو ريساكلينغ»، لأنها تلف على كل البيوت حتى تصل إلى المرسل الأول، مثلما كانت صدقة سيدنا علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه.
هناك أصدقاء رسائلهم شغل طب نبوي، وحجامة بشهر رجب في يوم الأربعاء التاسع عشر، ويوم الجمعة الحادي والعشرين منه، وتظل رسائله تذكير بموسم الحجامة والخبانة قبل ستة أشهر، وقبل ثلاثة أشهر، وقبل أسبوعين وهكذا.
الأصدقاء المتقاعدون رسائلهم معروفة، وتكاد تدور ضمن أفق واحد، لأن فيها من البكائيات على ما فرطوا وأهملوا أكثر من ذلك النور الذي يمكن أن يُرى في آخر النفق، وينتقلون بسرعة في رسائلهم قاطعين القارات، قبل لحظة يحدثك عن آخر التطورات المستجدة على السفر إلى بانكوك، وفجأة يتحول إلى الخالدية ودائرة المالية، ورواتب التقاعد القديمة، وبعدها مباشرة يحاول أن يختبر ذاكرتك، قائلاً: تتذكر لما رحنا المغرب وفرنسا؟، طبعاً هو لا يذكر، كل ما في الأمر يريدك أن تهلّ ما في رأسك لكي يتذكر.
هناك أصدقاء «إخوان شما»، لا يأتي منهم إلا كل شيء مفرح للقلب، ويوسع الشرايين، ويجعل يومك ملوناً، وتشعر بصعود الأدرينالين، أهم ما في رسائل هؤلاء الأصدقاء الفرحين المفرحين أنها لا تعترف بالسياسة، ولا المستجدات الاقتصادية، ولا المتغيرات الذي سيحدثها «ترامب» بادارته الأميركية الجديدة، وأكثر ما يعكر صفو يومهم أن ترسل لهم «مسج» عبارة دراسة اجتماعية معمقة في إحدى الظواهر التي تقلق المجتمعات أو أي شيء فيه كلمة «الاستدامة» أو كلمة «الاستشراف» أو «الاستراتيجية».
بعض الأصدقاء الجادين كثيراً، لا يكتفي بالرسالة التوعوية الإرشادية والتي يعدّها ضمن الأجر والثواب، وإنما ينتظر منك تعليقاً، لكي يرد عليك بتعليق مثله أو أحسن منه، مثل هؤلاء لا تستطيع أن تتحمل «مسجاتهم»، وأنت «تَوّك ناش من الرقاد» أو الساعة الثالثة والثلث ظهراً، على عكسهم هناك أصدقاء لا يرسلون إلا نكتاً أو مواقف مضحكة أو مقاطع فيها عادة تلك الدمغة أو «الأموجي» للوجه الضاحك.. دامت ضحكتكم وابتساماتكم لأنها مفتاح كل خير.. شكراً لكل الأصدقاء.. ولكل رسائلهم التي وصلت وتصل.. وعادة ما تحمل: جمعة مباركة!



إقرأ المزيد