موجة الحَر تخنق مستشفيات بريطانيا
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

نادراً ما يكون المستشفى مكاناً يرغب أحد في التواجد فيه، لكن الأمر يصبح أكثر سوءاً خلال موجات الحَر. فلا يقتصر الأمر على ازدياد تعرُّض المرضى الأكثر هشاشة لمخاطر الحرارة، بل إنّ درجات الحرارة القياسية الأخيرة، الناجمة عن انبعاثات الوقود الأحفوري، عطّلت أيضاً وظائف حيوية داخل المستشفيات.

وخلال موجات الحَر في شهري مايو ويونيو، أبلغت مستشفيات في جميع أنحاء المملكة المتحدة عن أعطال في أجهزة حيوية مثل أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي وأجهزة العلاج الإشعاعي. وتُعد غرف العمليات من الأماكن الطبية القليلة التي تتمتع بتكييف هواء موثوق، ومع ذلك، اضطرت المستشفيات إلى إلغاء بعض العمليات الجراحية لأن وحدات التبريد لم تكن قادرة على مواجهة الحرارة والرطوبة.

وعانى الطاقم الطبي، المُرهق من قلة النوم، من صعوبة العمل في الأجنحة، حيث تجاوزت درجة الحرارة أحياناً 35 درجة مئوية (95 فهرنهايت).

وتزامن كل ذلك مع مواجهة قطاعات من الخدمات الصحية طلباً غير مسبوق، حيث شهدت خدمة إسعاف لندن أكثر أيامها ازدحاماً على الإطلاق في نهاية يونيو الماضي. ولا تقتصر المشكلة على بريطانيا وحدها، حيث تواجه أوروبا تحديات مماثلة، لذلك تنفق فرنسا 100 مليون يورو لتوفير 30 ألف وحدة تكييف هواء للمستشفيات على وجه السرعة. لكن معالجة المشكلة بشكل جذري تتطلب المزيد من الإجراءات.

ويرجع سبب ارتفاع درجات الحرارة في مستشفيات المملكة المتحدة في الغالب إلى البنية التحتية المتهالكة، حيث يعود تاريخ بعض المباني إلى أكثر من 150 عاماً. ومع إضافة مرافق جديدة إلى المباني القديمة، فقدت العديد منها ميزات التبريد الأصلية مثل الأفنية الداخلية والأسقف العالية. كما أن نوافذ المستشفيات لا يمكن فتحها لأكثر من 100 ملم، كإجراء احترازي لسلامة المرضى، مما يَحدُّ من التهوية. وفي الوقت نفسه، تعني أنظمة التدفئة القديمة أن المشعّات الحرارية (الرادياتيرات) تعمل بكامل طاقتها طوال فصل الصيف. حتى إن بعض أنواع المراوح ممنوعة للوقاية من العدوى.

وشهد العام المالي 2022 /2023 أكبر عدد من حوادث ارتفاع درجات الحرارة، وهو ليس بالأمر المفاجئ، حيث وصلت درجات الحرارة في بعض مناطق المملكة المتحدة إلى 40 درجة مئوية عام 2022، ما دفع وكالة الأمن الصحي البريطانية إلى إصدار تحذير صحي من أخطار الحرارة الشديدة لأول مرة على الإطلاق.

ويُرجَّح أن يسجّل العام الحالي مستوىً مماثلاً، إن لم يتجاوزه. ولمعالجة الفجوات في فهم حجم مشكلة ارتفاع الحرارة داخل مرافق الرعاية الصحية وتأثيراتها، يقود تشنغ تشي بنغ، المحاضر الأول في العلوم المعمارية بجامعة شيفيلد، دراستين تجريبيتين تهدفان إلى وضع نموذج لكيفية أداء مرافق الرعاية في ظل الحرارة الشديدة. كما تدرس سارة وايز، الأستاذة المشاركة في مركز «بارتليت» للتحليل المكاني المتقدم في كلية لندن الجامعية، تأثير موجات الحَر والفيضانات المحتمل على شبكة إمدادات الدم في المملكة المتحدة. إذ تحتاج هيئة الخدمات الصحية الوطنية إلى نحو 5 آلاف متبرع بالدم يومياً للحفاظ على الإمدادات اللازمة، في سلسلة إمداد بالغة التعقيد.

ويُعد فصل الصيف فترة حرجة فيما يتعلق بإمدادات الدم، حيث يرتفع عدد الأشخاص غير القادرين على التبرع بالدم بسبب انخفاض مستوى الهيموغلوبين بنحو 50% خلال الأشهر الأكثر حرارة، مما يزيد احتمالات حدوث نقص في إمدادات الدم.

وحتى إذا توافرت تبرعات كافية، يجب تخزين خلايا الدم الحمراء في درجات حرارة تتراوح بين 2 و6 درجات مئوية، ثم تُنقل إلى مركز تصنيع إقليمي لتُعالج قبل إرسالها إلى المستشفيات. وإذا تعطّلت أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي خلال موجات الحر، فقد تتعطل وحدات تبريد الدم أيضا. وترى سوزي فيرنون، المديرة المساعدة للاستدامة في مبادرة «الرعاية من دون كربون»، أن الاقتداء بفرنسا وتركيب أجهزة تكييف إضافية ليس ممكناً في جميع الحالات، فالأجنحة تحتاج إلى تهوية مناسبة. كما أوضح بينغ أن أعمال التركيب يجب أن تراعي استمرار تقديم الرعاية الطبية، فلا يمكن إغلاق أجنحة المستشفى ببساطة لإجراء أعمال التجديد. يضاف إلى ذلك استهلاك الطاقة والتكاليف التي يجب أخذها في الاعتبار. إضافة إلى ذلك، تتطلب مباني الخدمات الصحية أعمال صيانة واسعة تُقدر تكلفتها بنحو 15.9 مليار جنيه إسترليني وهو مبلغ باهظ. وبينما تُعد تحديثات البنية التحتية، من التدابير النشطة مثل المراوح وأجهزة التكييف، إلى التدابير السلبية مثل أغطية النوافذ والأسطح الخضراء والتظليل، عنصراً أساسياً، فإن التغييرات السلوكية مثل جدولة مواعيد المرضى الأكثر عُرضة للخطر في الصباح الباكر، وتشجيعهم على شرب الماء، وتوفير وسائل تبريد مثل حمامات القدم بالماء البارد، تُعد مهمة أيضاً. حتى تزويد الموظفين بملابس أخف وأكثر برودة قد يُساعد.

ولا شكَّ أن زيادة أجهزة التكييف تُمثِّل جزءاً من الحل بالنسبة لهيئة الخدمات الصحية الوطنية. لكن عدم تبنِّي نظرة شاملة لكيفية الحفاظ على سلامة المرضى والعاملين في المجال الطبي سيكون خطأً مكلِّفاً. *كاتبة متخصصة في قضايا تغير المناخ.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آنند سينديكيشن»



إقرأ المزيد