جريدة الإتحاد - 7/19/2026 10:48:46 PM - GMT (+4 )
يشهد الوعي الأوروبي اليوم تحوّلاً ملموساً وجذرياً في مقاربته لظاهرة الإسلام السياسي، متجاوزاً النظرة الأمنية التقليدية التي سادت لسنوات طويلة في أروقة صنع القرار. وهذا التحوّل لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة إدراك متزايدٍ ومبنيٍّ على معطيات واقعية بأن خطر الحركات المؤدلجة، وفي مقدّمتها جماعة «الإخوان»، لم يَعُد يقتصر على التهديدات المباشرة أو العنيفة، بل يتغلغل بهدوء وعُمق في نسيج المجتمعات عبر استراتيجيات «القوة الناعمة».
وما النقاشات الدولية الموسّعة التي احتضنها مجلس النواب الإيطالي مؤخراً، حول تداعيات وجود الجماعة في أوروبا ومسائل الاندماج، إلا مؤشر واضح على هذا الإدراك المتنامي بخطورة المرحلة، وضرورة تغيير أدوات المواجهة. وخلال مشاركة «تريندز للبحوث والاستشارات» في هذا الحدث النوعي، الذي نظّمه بالشراكة مع مؤسّسات أوروبية، حرصت «مجموعة تريندز» على تسليط الضوء على الأبعاد الخفيّة لتغلغل جماعة «الإخوان». وفي سبيل تفكيك بنيةِ تغلغلها الممنهج، رصد اعتماد الجماعةِ خطةً طويلة الأمد تستهدف بناء «مجتمع موازٍ» داخل الدول المضيفة.
وتبدأ تلك الخطة باستغلال الفضاءات الديمقراطية والحريات العامة، وتَمرّ عبر تأسيس شبكات معقّدة ومترابطة من الجمعيات الخيرية والمؤسّسات التعليمية والمراكز الرياضية. والهدف الاستراتيجي هنا ليس تقديم خدمات اجتماعية بريئة، بل عزل الأفراد، خصوصاً الشباب، عن محيطهم الوطني وتحويل ولائهم تدريجياً نحو التنظيم، ممّا يعرقل برامج الاندماج الاجتماعي، ويهدّد الهوية الوطنية الجامعة للدول.
وأكدت مداخلة «تريندز للبحوث والاستشارات»، أمام البرلمان، أنّ تلازُم التوسع المؤسّسي والاستثماري التقليدي مع الطفرة التكنولوجية النوعية يشكّل مصدر قلق بالغ. وتتجلّى أبعاد هذا التوجّه في التركيز المتزايد على توظيف المنصات الرقمية المتقدمة لتوسيع نطاق التأثير، وتجاوز الأطر الإعلامية التقليدية نحو قطاعات استراتيجية كالذكاء الاصطناعي، وصناعة الألعاب الإلكترونية، وتقنيات التشفير المعقّدة. ووفقاً للمداخلة، فإن هذه الآليات المعاصرة توفر بيئة اتصال آمنة تتجاوز آليات الرقابة التقليدية، وتتيح قنوات استقطاب تفاعلية تستهدف الفئات الشبابية والطلابية، الأمر الذي يضاعف تعقيد المواجهة الأمنية والفكرية، ويفرض تطوير أدوات رصد ومجابهة متقدّمة.
وأمام هذه التّحديات المُتشابكة، تبرز الحاجة الملحّة إلى الاعتماد على أدوات تحليلية قادرة على قراءة المشهد بدقّة وشمولية وموضوعية. وهنا تكمن الأهمية الاستراتيجية للمبادرات البحثية التي أطلقها مركز «تريندز للبحوث والاستشارات»، وأحدثُها النُّسخةُ الإيطالية من «مؤشر القوة الدولية لجماعة الإخوان»، وإصدارات مترجمة أخرى من موسوعة جماعة الإخوان، التي يُصدرها المركز تزامناً مع تلك النقاشات البرلمانية الرفيعة. ويُمثّل الانتقال من السرديات الوصفية إلى التقييم الكمّي الدقيق ضرورة منهجية لا غنى عنها. فقياس نفوذ الجماعة، عبر محاور سياسية وتنظيمية واقتصادية وإعلامية ومجتمعية، يمنح صنّاع القرار أداة إنذار مبكر فعالة، تساعدهم على توقّع التحولات، ورسم سياسات وقائية مبنية على الأدلة.
إنّ المواجهة الفعالة والشاملة تتطلب، قبل كلّ شيء، تعزيز الأمن الفكري كركيزة أساسية لاستقرار الدول وازدهارها، وهذا يقتضي فصلاً حاسماً وواضحاً بين الإسلام، بوصفه ديناً عالمياً يحثُّ على التسامح والتعايش السلمي، وبين الإسلاموية كمشروع سياسي انتهازي يوظِّف الدين لتحقيق أهداف أيديولوجية تتعارض جذرياً مع قيم التعدّدية وسيادة القانون. ليكون هذا التمييز المفاهيمي حجر الزاوية في أي استراتيجية تستهدف تحصين المجتمعات من الاختراق الأيديولوجي. وتؤكد التحديات الراهنة والمخاطر المتعدّدة أن حماية المجتمعات الديمقراطية من خطر الراديكالية والفوضى لم تَعُد مسؤولية جهة أمنية بعينها، بل هي مهمّة وطنية ودولية مشتركة تتطلب تشكيل جبهة موحّدة تُعزِّز التعاون وتبادل المعلومات الاستراتيجية. كما أن دور المراكز البحثية المتخصّصة لم يَعُد مقتصراً على التنظير الأكاديمي المجرد، بل أصبح شريكاً أصيلاً وفاعلاً في صياغة استراتيجيات الأمن القومي.
ومن خلال الاستثمار المستدام في البحث العلمي الرصين، يمكننا تطوير آليّات استباقية تحمي برامج الاندماج، وتُقدّم بدائل فكرية مستنيرة تسهم في بناء وعي مجتمعي قادر على التمييز بين المشاريع الوطنية الجامعة والأجندات الحزبية الضيقة، لضمان مستقبل تسوده قيم المواطنة الحقة والتعايش المشترك، وهو ما يؤسّس لمرحلة جديدة من الاستقرار المستدام. والرهان الحقيقي اليوم يكمن في استباق هذه التهديدات وتحصين الأجيال القادمة، لتظلّ مجتمعاتنا منيعة أمام أي محاولاتٍ لاختطاف عقول أبنائها.
*باحث رئيسي/ رئيس قطاع دراسات الإرهاب والتطرف - مركز تريندز للبحوث والاستشارات.
إقرأ المزيد


