جريدة الإتحاد - 7/19/2026 11:21:41 PM - GMT (+4 )
استحوذت دراما وطنية عظيمة على اهتمام البريطانيين في إنجلترا الأيام الماضية، لدرجة أنها جعلت رحيل رئيس الوزراء كير ستارمر الوشيك، الذي أطاح به حلفاؤه الذين تحولوا إلى خصوم في حزب «العمال»، يبدو وكأنه حدث جانبي. فقد تابع الملايين في جميع أنحاء البلاد مباراة كرة القدم بين إنجلترا والأرجنتين بشغف وقلق وأمل في نهاية سعيدة، وكان من بينهم ستارمر وآندي بورنهام، الذي من المقرر أن يخلفه في مقر رئاسة الوزراء في داونينج ستريت. وكذلك الأمير ويليام، أمير ويلز وولي العهد البريطاني.
وكانت أنظارهم وآمالهم معلقة على منتخب إنجلترا الوطني لكرة القدم في مباراة نصف نهائي كأس العالم، عندما كان على بُعد خطوة واحدة فقط من بلوغ نهائي البطولة لأول مرة منذ 60 عاماً.
لكن الآمال تبددت بخسارة انجلترا 2-1، بعدما تقدم المنتخب الإنجليزي أولًا قبل أن يقلب المنتخب الأرجنتيني، بقيادة ليونيل ميسي، النتيجة، في سيناريو تكرر كثيراً في تاريخ إنجلترا الكروي وأعاد إلى الجماهير الشعور بخيبة الأمل.
وتجاوزت المباراة كونها حدثاً رياضياً، إذ تحتل كرة القدم مكانة خاصة في الحياة الانجليزية وتجمع البريطانيين بمختلف فئاتهم، في وقت تشهد فيه البلاد انقسامات سياسية واجتماعية متزايدة. كما حملت المباراة عبئاً تاريخياً؛ فبرغم أن إنجلترا مهد كرة القدم الحديثة، فإنها لم تحرز كأس العالم سوى مرة واحدة عام 1966، وأصبحت إخفاقاتها المتكررة في الأدوار الحاسمة رمزاً لتراجع مكانتها مقارنة بماضيها.
وخيمت الذكريات التاريخية على أجواء المباراة، إذ إن إنجلترا هي التي ابتكرت لعبة كرة القدم الحديثة في القرن ال19، لكنها لم تفز بكأس العالم إلا مرة واحدة عام 1966. وأصبحت مشاركاتها القليلة والمحبطة في نصف النهائي منذ ذلك الحين بمثابة استعارة لمكانة غير مستقرة تحتلها إنجلترا في عالم كان خاضعاً للإمبراطورية البريطانية.
ولعدة دقائق بعد هدف إنجلترا الأول، بدا أن المنتخب قادر على تغيير المزاج السياسي العام في البلاد، إذ كان بلوغ النهائي سيطغى على انتقال السلطة من ستارمر إلى بورنهام، ويمنح الحكومة الجديدة دفعة معنوية كبيرة، لاسيما وأن الرجلين من أبرز عشاق كرة القدم.
وتقبل رئيس الوزراء ستارمر، الذي قاد حزب العمال إلى فوز ساحق قبل عامين فقط، إقالته علناً بروح رياضية. لكنه بذل جهداً كبيراً لكبح جماح تمرد حزبه. وكان من المقرر أن يسافر إلى نيويورك لحضور مباراة النهائي بين إنجلترا وإسبانيا، ثم العودة إلى بلاده ليُلقي كلمة وداع أمام مقر رئاسة الوزراء في داونينج ستريت، وبعدها يُقدم استقالته للملك تشارلز الثالث.
وكان من المقرر أيضاً أن يسافر نجل الملك، الأمير ويليام، إلى نيويورك لحضور نهائي إنجلترا. فهو أيضاً من مُحبي كرة القدم، إضافة إلى كونه الراعي الملكي لاتحاد كرة القدم، الهيئة الحاكمة للعبة. وبعد فوزه على نظيره الفرنسي احتل المنتخب الإنجليزي المرتبة الثالثة في مونديال 2026.
وكان بورنهام سيستفيد بدوره من الأجواء الوطنية التي كان سيخلقها وصول المنتخب إلى النهائي، لاسيما أنه سيتولى رئاسة الحكومة بتفويض من نواب حزب العمال، وليس عبر انتخابات عامة.
ورغم الهزيمة، سيظل بورنهام يأمل في استمرار الأثر الإيجابي الذي أحدثه مشوار المنتخب، في وقت تواجه فيه حكومته تحديات كبيرة، تشمل ركود الاقتصاد، وتدهور الخدمات العامة، وضرورة توفير التمويل للجيش، إضافة إلى تنامي شعبية حزب الإصلاح اليميني المتطرف الشعبوي. لذلك، تزداد أهمية كرة القدم باعتبارها أحد أبرز عوامل توحيد المجتمع.
ويعود شعار «كرة القدم ستعود إلى الوطن» إلى بطولة أوروبا عام 1996، عندما تحولت أغنية «الأسود الثلاثة» إلى نشيد للجماهير، معبرة عن الأمل في إنهاء عقود من الإخفاقات منذ لقب كأس العالم عام 1966. لكن إنجلترا خرجت آنذاك أيضاً من نصف النهائي أمام ألمانيا بركلات الترجيح، لتتكرر خيبة الأمل هذه المرة أمام الأرجنتين.
ومع ذلك، لا يزال الأمل قائماً في أن يتحقق الحلم أخيراً، إذ تستضيف بريطانيا وإيرلندا بطولة أمم أوروبا لكرة القادة عام 2028، والتي قد تمنح المنتخب الإنجليزي فرصة جديدة لإنهاء عقود من الانتظار وإعادة اللقب إلى مهد كرة القدم.
*كاتب متخصص في الشؤون الدبلوماسية.
*ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»
إقرأ المزيد


