جريدة الإتحاد - 7/19/2026 11:21:48 PM - GMT (+4 )
في وقت تعيش فيه واشنطن حالة من الاستقطاب الحاد والشلل السياسي، كان السيناتور «الجمهوري» الراحل ليندسي غراهام يتمتع بقدرات نادرة، تمثّلت في براعته في بناء التعاون مع الحزب الآخر، وصياغة توافقات حول القضايا الجوهرية. ولعل الأهم من ذلك، هو نجاحه في لعب دور حلقة الوصل بين مجلس شيوخ منقسم بشدِّة، ورئيس يتهمه خصومُه بالتقلب.
ولم يحظَ أيُّ عضو آخر في الكونغرس بعلاقة مماثلة مع الرئيس دونالد ترامب، فقد جمعتهما صداقةٌ وتحالفٌ سياسي، وكان غراهام من القلائل القادرين على التأثير في قرارات الرئيس بشأن ملفات مصيرية. لكن وفاة غراهام المفاجئة، أثارت شكوكاً جديدة بشأن قدرة واشنطن على إدارة ملفاتها المعقدة.
وتنتظر الكونغرسَ استحقاقاتٌ تشريعيةٌ مهمةٌ، تشمل مشروعَ قانون الدفاع السنوي، وتمويل الحرب مع إيران، وتجديد قانون للمراقبة الاستخباراتية الخارجية، وإقرار مشروع قانون لإدارة الانتخابات يسعى ترامب إلى اعتماده قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل. ولا تزال هناك تعيينات رفيعة بانتظار موافقة مجلس الشيوخ، من بينها تعيين تود بلانش في منصب المدَّعي العام، فضلاً عن خطر إغلاق الحكومة الفيدرالية إذا لم تُقر الموازنة قبل 30 سبتمبر.
ويُتوقع أن يكون غياب غراهام أكثر تأثيراً في ملفَّي أوكرانيا وإسرائيل، إذ كان من أبرز المدافعين عن حق البلدين في الوجود وتقرير مصيرهما، وليس من الواضح مَن سيتمكّن مِن ملء هذا الفراغ.
كما أن وفاة غراهام قد تزيد المنافسةَ بين وزير الخارجية ماركو روبيو ونائب الرئيس جيه دي فانس بشأن قضايا السياسة الخارجية. وينتمي فانس إلى تيار «أميركا أولاً» الأكثر انعزالاً، وكان روبيو يتبنّى نهجاً أكثر انفتاحاً على الدور الدولي لواشنطن، والذي كان غراهام يدعمه. ويبدو أن كلاًّ من نائب الرئيس والوزير يستعدّان للترشح للرئاسة في عام 2028.
وتستمر آليات عمل الحكومة، حيث أعلن حاكم ولاية كارولاينا الجنوبية، «الجمهوري» هنري ماكماستر، اختيار دارلين غراهام نوردون، شقيقة غراهام، لإكمال ما تبقى من ولايته حتى أوائل يناير. وفي 11 أغسطس، ستجري الولايةُ انتخاباتٍ تمهيديةً خاصةً للحزب الجمهوري لاختيار مرشح بديل لغراهام.
ورغم أن «الجمهوريين» سيستعيدون أغلبيتهم (53 مقابل 47) في مجلس الشيوخ، بعد أداء نوردون اليمين، فإن هامش سيطرتهم على المجلس أضيق مما يبدو، مع غياب السيناتور الجمهوري ميتش ماكونيل عن المجلس منذ دخوله المستشفى قبل شهر، دون موعد واضح لعودته.
كما يواجه الجمهوريون مشكلةً أخرى ترتبط بترامب نفسه، إذ خسر السيناتوران جون كورنين (من تكساس) وبيل كاسيدي (من لويزيانا) الانتخابات التمهيدية أمام مرشحين مدعومين من ترامب، ما يجعل من غير المؤكد دعمهما لمواقف الرئيس في أي تصويت مقبل. وينطبق الأمر أيضاً على السيناتور توم تيليس من نورث كارولاينا، الذي يستعد لمغادرة مجلس الشيوخ ويُعد من منتقدي ترامب، ما يجعل صوتَه بدوره غير مضمون.
لكن يبقى السؤال الأهم: مَن سيخلف ليندسي غراهام في دور «مستشار ترامب داخل مجلس الشيوخ»؟ رغم طرح عدة أسماء، يبقى من الصعب تعويض غراهام، إذ جمع بين التشدد والقناعات الأيديولوجية الراسخة في قضايا السياسة الخارجية والمرونة في بناء التوافقات، وكان آخر إنجازاته التوصل مع السيناتور «الديمقراطي» ريتشارد بلومنثال إلى اتفاق بشأن مشروع قانون لفرض عقوبات على روسيا.
وأقام غراهام علاقةَ صداقة وثيقة مع ترامب، وظل من أكثر أعضاء الكونغرس تأثيراً في مواقفه، رغم انتقال العلاقة من خصومة حادة خلال انتخابات 2016 إلى تحالف وثيق خلال رئاسته، مع فترات خلاف أعقبت أحداث اقتحام الكابيتول قبل أن يتصالحا مجدداً.
ويُتوقع أن يترك غيابه فراغاً كبيراً، لا سيما في السياسة الخارجية، إذ كان من أبرز المدافعين عن الدور القيادي للولايات المتحدة وعن حلف شمال الأطلسي «الناتو». كما كان من أكثر الشخصيات تأثيراً في ترامب، مما يثير تساؤلات حول من سيملأ هذا الفراغ.
*رئيسة مكتب «كريستيان ساينس مونيتور» في واشنطن
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»
إقرأ المزيد


