جريدة الإتحاد - 7/20/2026 10:48:38 PM - GMT (+4 )
ليس كل قرار يُقاس بمدته، فبعض القرارات تقاس بالرسالة التي تحملها، وبما حققته وبما تفتحه من مساحة جديدة في الوعي والعمل. وعندما يمتد الاحتفاء بالمرأة الإماراتية من يوم واحد إلى شهر كامل لا يصبح السؤال: كم زاد عدد الأيام للاحتفال؟ بل السؤال الأهم ماذا تريد الدولة أن تخبرنا عن مكانة المرأة الإماراتية وعن المرحلة الجديدة التي تستعد لها؟
جاء توجيه سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، رئيسة الاتحاد النسائي العام، رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، الرئيس الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، «أم الإمارات» بامتداد الاحتفال بالمرأة الإماراتية تحت شعار «نظهر الأقوى والأفضل»، من يوم إلى شهر، ليمنح المناسبة معنى يتجاوز مفهوم الاحتفال. فالمقصود ليس زيادة الفعاليات أو مد مدة التكريم، وإنما المطلوب هو توسيع المساحة التي نقرأ من خلالها مسيرة المرأة الإماراتية. ونناقش ما حققته وما تحتاج إليه لتواصل تقدمها، وتعزيز دورها في بناء مستقبل الوطن.
فالإنجاز الذي احتاج لعقود من البناء لا يمكن اختصاره في أربع وعشرين ساعة. مسيرة بدأت مع قيام الاتحاد وامتدت إلى التعليم والصحة، والاقتصاد والثقافة، والعمل الدبلوماسي والإنساني. إنها تجربة تستحق أن تُروى بهدوء وعمق، لا أن تمر في الأجندة بوصفها مناسبة عابرة.
لقد تجاوزت الإمارات منذ زمن السؤال التقليدي، وهو: هل تستطيع المرأة؟ والواقع أجاب عن هذا السؤال منذ سنوات مضت، وأصبح السؤال الأكثر أهمية اليوم هو كيف نبني بيئة تتيح لكل امرأة أن تحقق أفضل ما لديها، وأن تجد الفرصة العادلة التي تتناسب مع قدراتها وطموحها؟
لهذا لم يعد حضور المرأة استثناء في أي مجال، حيث إنه أصبح جزءاً طبيعياً من مشهد الدولة. فهي حاضرة في مجلس الوزراء والمجلس الوطني الاتحادي والسلك الدبلوماسي والقوات المسلحة والجامعات والمختبرات والصناعة والشركات الوطنية ومراكز الابتكار والفضاء ومشروعات العمل الإنساني، وغيرها الكثير من المجالات التي اقتحمتها المرأة الإماراتية بجدارة واستحقاق.
وهنا لا بد أن ننظر للمستقبل، وندرك أن المرحلة القادمة ترتبط بصورة وثيقة مع السعي إلى زيادة الأثر لهذا الوجود النسائي في الحياة العامة. فالمطلوب ألا تكون المرأة الإماراتية موجودة في مواقع العمل وصناعة القرار فقط. وإنما شريكة في تصميم المستقبل وفي تطوير الاقتصاد وإنتاج المعرفة، وقيادة التحولات التكنولوجية والاستدامة.
في الوقت نفسه، لا يمكن قراءة دور المرأة بعيداً عن الأسرة، بوصفها أهم مساحة يتشكل فيها الإنسان، فالمرأة التي تربي أبناءها على احترام القانون والاعتزاز بالهوية، وتحمل المسؤولية، تسهم في بناء مجتمع أكثر تماسكاً وقدرة على مواجهة التحديات. والأم التي تمنح أبناءها الثقة والوعي تشارك في صناعة مواطن يعرف حقوقه وواجباته، ويدرك أن العلاقة بالوطن لا تقوم على ما يحصل عليه فقط، بل على ما يقدمه له أيضاً.
لهذا، فان الأسرة ليست ملفاً اجتماعياً منفصلاً عن مسيرة الدولة، بل هي المؤسسة الأولى التي تتشكل داخلها قيم الانتماء والتعاون والمسؤولية. ومن هنا، تبدأ المناعة الوطنية، تبدأ حول مائدة الأسرة قبل أن تكون حاضرة عند الحدود.
عندما تمنح الإمارات شهراً كاملاً للاحتفاء بالمرأة، فإنها لا تنظر للماضي فقط، ولا تكتفي باستعادة قصص النجاح. إنها تتوجه أيضاً إلى كل فتاة إماراتية برسالة واضحة، مفادها أن وطنكِ لا يراكِ فقط امتداداً لما تحقق، بل يراكِ شريكةً في إنجاز مستقبل سيتحقق.
قيمة هذا الشهر لن تقاس بعدد الفعاليات إنما بما تركه من أثر في فرص تعليمية جديدة أو مشروع جديد تقوده امرأة أو قرار يزيل عائقاً أو بيئة عمل أكثر إنصافاً أو فتاة ترى أمامها طريقاً أوسع مما كان متاحاً للأجيال السابقة.
المرأة الإماراتية ليست مناسبة في التقويم إنها جزء من قصة الوطن وشريكة حاضرة وقوة أساسية في بناء مستقبله.
*باحثة إماراتية في الأمن الاجتماعي والثقافي، أستاذ زائر بكليات التقنية العليا للطالبات، أستاذ زائر بجامعة الإمارات العربية المتحدة.
إقرأ المزيد


