إسبانيا البطل الجميل
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

لم يترك لنا منتخب الأرجنتين، ما نحزن عليه وهو ينكسر عند خط النهاية، فلا تمنحه هذه الكأسُ العالميةُ النجمةَ الرابعة، لا أسلوب لعبه، ولا سلوك لاعبيه، ولا الاحتباس الذي أصاب الفكر التكتيكي لمدربه ليونيل سكالوني، لا شيء على الإطلاق في «الألبيسيليستي» كان يبعث على الرثاء.
بالتأكيد حرّك فينا الأسطورة ليونيل ميسي مشاعر الشّجن ودموعه تختصر هول الصدمة بضياع اللقب العالمي، لكننا ما وجدنا في المباراة النهائية للنُّسخة الأطول في تاريخ كأس العالم، إلا ما ينتصر لكرة القدم الجميلة، فقد بدت إسبانيا بطلاً جميلاً ومثالياً، فيما ظهرت الأرجنتين وصيفاً مشروخاً، ولو حدث وعلت الأرجنتين بذاك البؤس الفني والشّح الهجومي منصة التتويج، لكانت كرة القدم قد أصيبت بجلطة صدرية.
خُيِّل لنا ونحن نخطو نحو الفاصل النهائي للمونديال، وقد تحدّد طرفاه، منتخبا إسبانيا والأرجنتين، أننا وُضعنا أمام مباراة سيذكرها التاريخ طويلاً، تتجاوز في سحرها نهائي نسخة قطر 2022، كيف لا وهي تجمع بين منتخبين توحّدهما الهوية اللاتينية، ولكن تباعدهما الهوية التكتيكية، فهذه إسبانيا تتقن الاستحواذ المنظّم، وهذه الأرجنتين تتفنن في تنويع الرقصة بين هجوم كاسر ودفاع قوي.
إلا أن ما حضر في المباراة النهائية، شيء غريب تخفَّى خلف التماثيل الفنية، فبينما أخلص منتخب «لاروخا» لفلسفته القائمة على الاستحواذ المنظّم، عبر مثلثات متحرّكة هجومياً ودفاعياً، ونجح كما كان الحال في الدور نصف النهائي أمام فرنسا، في حظر التجول في منطقته الخلفية، ارتعشت «رقصة التانجو» إلى الدرجة التي ظهر فيها عيبٌ كبيرٌ على الميزان، إذ اختلّ التوازن وضاعت الشخصية، وغدا المنتخب الأرجنتيني بئيساً لا يقوى على المقاومة.
صحيح أن المنتخب الإسباني، لم يُصبْ قلب منتخب الأرجنتين، بالهدف القاتل لفيران توريس إلا في الشوطين المضافين، وبعد أن ترك إنزو فيرنانديز ببلادة كاملة زملاءه يواجهون الطاحونة الإسبانية بنقص عددي، إلا أن المباراة النهائية بمنطق السحر والجمال، ما كانت لتدين بالولاء لغير منتخب إسبانيا، عطفاً على فلسفته وشخصيته وجرأته، ولا عزاء إطلاقاً لمنتخب الأرجنتين، في ما أخذ منه، لأنه لم يقدّم حتى في وجود الساحر ميسي ما يشفع له التتويج بالكأس العالمية للمرة الثانية توالياً.
وكما أن فرنسا وهي تواجه إسبانيا في الدور نصف النهائي، أُصيبت بالاختناق وقد فصل وسطها عن هجومها الكاسر، فإن الأرجنتين ستنكشف كل عوراتها التكتيكية في اللقاء الأقوى والأهم، إذ سقطت سواريها وصوامعها، في وجود هذا السّحر المغناطيسي الذي يطلع من الأداء الجماعي الإسباني.
عندما نتحدث عن كرة القدم الجميلة، فليس معناه أن تلك رومانسية تُناقض الواقعية، إذ أن منتهى الجمال هو أن تكون مطابقة الذات بالواقعية التي تضمن الفوز بالألقاب وبقلوب الجماهير، ومنتخب إسبانيا كان بطلاً للعالم وبطلاً للقلوب، كيف لا ومعه انتصرت كرة القدم بوجهها المحبوب. 



إقرأ المزيد