جريدة الإتحاد - 7/25/2026 12:23:45 AM - GMT (+4 )
كان رد فعلي الأول على قرارات المحكمة العليا التاريخية في يونيو الماضي هو أن الرئيس دونالد ترامب بالغ في تقدير موقفه. فقد حاول إقالة أحد أعضاء مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، ما دفع المحكمة إلى إعلان استقلالية الاحتياطي الفيدرالي عن سيطرة الرئيس في قضية ترامب ضد كوك. كما حاول إلغاء جنسية أبناء بعض المهاجرين، ما دفع المحكمة إلى إعلان استقلالية الجنسية بالولادة في قضية ترامب ضد باربرا، وأن حق المواطنة بالولادة مكفول في الدستور. ربما لو كان الرئيس أكثر ضبطاً للنفس وتدرجاً في قراراته، لتجنب هذه الهزائم الساحقة.
لكن النظر إلى ما وراء النتيجة النهائية لكل حكم يكشف أن ترامب وأجندته الشعبوية قد يكونان في وضع أفضل مما كانا عليه. ففي القضيتين، استهدف ترامب من جانب واحد ممارستين راسختين منذ زمن طويل، فلم يسبق لأي رئيس القيام بإقالة محافظ في «الاحتياطي الفيدرالي»، ولم يكن هناك تحدٍ سياسي جاد لحق المواطنة بالولادة.
ورغم أن محاولتيه لم تنجحا، فإنهما اقتربتا من النجاح بشكل مفاجئ. فلم ينضم سوى أربعة قضاة إلى رأي الأغلبية الذي أصدره رئيس المحكمة العليا جون روبرتس الابن، والذي انتقد الرئيس في كلتا القضيتين. وكانت الأحكام شاملة، لكن التحالف الذي أيدها كان ضيقاً. وهذا يمنح الشعبويين فرصة، وربما إصراراً أكبر، لمواصلة المعركة على الجبهتين.
وفي إطار حملته للضغط على الاحتياطي الفيدرالي لخفض أسعار الفائدة، أعلن ترامب العام الماضي أنه سيقيل ليزا كوك، عضوة مجلس الاحتياطي الفيدرالي التي عينها الرئيس جو بايدن لولاية مدتها 14 عاماً في عام 2023. وكانت ذريعة ترامب مزاعم بارتكابها احتيال عقاري، وهو ما نفته كوك ولم تثبته الحكومة. ونشر بيل بولت، السياسي المتشدد الذي عينه ترامب مسؤولاً عن تنظيم الإسكان، تلك الادعاءات على وسائل التواصل الاجتماعي.
وبدا أن إقالة كوك لن تصمد أمام المحكمة العليا، بعدما أوقفت المحاكم الأدنى تنفيذها، ورفضت المحكمة العليا طلب إدارة ترامب تعليق هذه الأحكام، كما لم يُبدِ أي قاضٍ خلال المرافعات الشفوية تعاطفاً مع حجج إقالتها. لكن الحكم النهائي جاء بأغلبية ضيقة 5 مقابل 4، واشترط منح كوك إخطاراً وفرصة للرد قبل إقالتها، ما دفع ترامب إلى القول، إنه سيحاول مجدداً باتباع «إجراءات مثالية». ويعني انقسام المحكمة أن الإدارة قد تحتاج إلى استمالة قاضٍ واحد فقط من الأغلبية، على الأرجح روبرتس أو كافانو، إذا عادت القضية إليها.
كما أن تبرير روبرتس لاستقلال محافظي الاحتياطي الفيدرالي عن سلطة الرئيس بدا ضعيفاً ومقتضباً، فهو يستشهد بوجود البنوك الوطنية في بدايات تاريخ الولايات المتحدة، لكن الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة مختلفة تماماً. والانطباع السائد هو أن القضاة أنقذوا الاحتياطي الفيدرالي من سيطرة الرئيس بسبب مخاوف تتعلق بالسياسة والاقتصاد أكثر من القانون الدستوري. ويفسر ذلك كثرة المعارضين.
إلا أن القرارات الضعيفة التي تُؤيد بتصويت واحد أكثر عرضة للهجوم السياسي. وقد يعتمد استمرار استقلالية الاحتياطي الفيدرالي على تسامح الرئيس، وهو أمر نادر في السياسة الأميركية في القرن الحالي.
أما في قضية الحصول على الجنسية الأميركية بالولادة، ففرص ترامب في إعادة المحاولة أقل، إذ رأى خمسة قضاة أن الدستور يفرض منحها، بينما قال كافانو، إن قوانين الهجرة الحالية تفرضها، لكن يمكن للكونجرس تغييرها.
حتى مع أغلبية «جمهورية» في الكونجرس، لن يكون من الممكن تقييد المواطنة بالولادة لأبناء المهاجرين ما لم يتغير تشكيل المحكمة العليا. لكن أمر ترامب التنفيذي وقرار المحكمة أعادا فتح النقاش حول القضية، وأديا إلى دراسات قانونية واسعة شككت في التفسير التقليدي لبند المواطنة في التعديل الـ 14، بعدما كان هذا المبدأ مستقراً إلى حد كبير.
وأصبح التفسير البديل يحظى بزخم متزايد في الأوساط القانونية المحافظة، وقد يسعى قضاة محتملون للمحكمة العليا إلى إظهار تأييدهم له. وعلى خلاف معركة المحافظين الطويلة التي انتهت بإلغاء رو ضد ويد، فإن قضية باربرا ترسخ تفسيراً قائماً، لكن اليمين الشعبوي اليوم أقل تمسكاً بالتقاليد السياسية الراسخة.
لقد حشد ترامب المحكمة العليا للإجابة عن أسئلة لم يطرحها أحد تقريباً. وفي خضم ذلك، كشف تناقضات استقلالية الاحتياطي الفيدرالي في ظل نظرية السلطة التنفيذية الموحدة التي يدعمها القضاة المحافظون، وعزز جدوى تفسير كان يُعتبر متطرفاً في السابق للتعديل الـ14 للدستور. إن استراتيجية الرئيس القانونية القائمة على التسرع في اتخاذ القرارات ثم طرح الأسئلة لاحقاً، والتي تجلت في قضية كوك وباربرا، غالباً ما تأتي بنتائج عكسية. وربما كان بإمكانه هنا أن يغير مسار الأمور لصالحه.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
*كاتب متخصص في القانون والسياسة الخارجية.
إقرأ المزيد


