النخبة العسكرية.. والانتخابات الإسرائيلية المقبلة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

ليست الإشكالية في تركيز استطلاعات الرأي في إسرائيل على شخص رئيس الأركان الأسبق غادي إيزنكوت زعيم حزب «يشار» الحالي وأنه بات الزعيم المنتصر لإسرائيل، وأنه سيحل محل نتنياهو بعد إجراء الانتخابات البرلمانية المقرر أن تجري في أكتوبر المقبل وغيرها من السرديات التي يتم تسويقها في الإعلام الإسرائيلي بصورة لافتة.

المشكلة ليست في شخص إيزنكوت، وإنما في دور النخبة العسكرية في استعادة السلطة المباشرة في إسرائيل، وفي ظل قناعات ربما تدور في دوائر أمنية واستخباراتية بأن إسرائيل يحب أن تنتفض ويعود الحكم إلى العسكريين بعد سنوات طويلة من حكم نتنياهو، وبعد حروب دخلتها خلال السنوات الأخيرة، ولم تستطع حتى الآن إنجاز كل أهدافها.

الواقع أن العلاقات المدنية العسكرية في إسرائيل مرتبكة وغير واضحة بدليل سيطرة كثير من الشخصيات العسكرية على بعض الأحزاب، أو على الأقل مسعاهم للتواجد أو العمل في اتجاه الحكم، فلا أحد ينكر أن بيني جانتس أو يائير جولان أو غادي إيزنكوت قيادات عسكرية كبرى، ولها دور عسكري بارز في الحروب التي خاضتها إسرائيل، وأن هذا الدور العسكري قد يكون مدخلاً إلى دخولهم المعترك الحزبي وتقديم أنفسهم على أنهم قادرون على تغيير الواقع الراهن للدولة العبرية بل والمضي في مسار آخر خاصة أن الاتهامات التي تلاحق رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو لم تحسم نتائج تحقيقاتها، وقد يدان نتنياهو ويصدر الحكم قبل شهر أكتوبر المقبل ما يخرجه من المنافسة الحزبية.

وبالتالي فإن إسرائيل، وليس الليكود فقط ستكون في مأزق الأمر الذي يتطلب من الآن تصعيد البديل. قيادات الأحزاب الدينية والحريديم على وجه الخصوص لا يريدون أي تغيير حقيقي ولديهم قناعة بأن مصالحهم الجمعية هي الأهم ما يتطلب بالفعل العمل في اتجاهات محددة، وأن كل الأطراف ستذهب إلى الانتخابات بهدف البقاء في السلطة بما في ذلك تجمع «ليكود»، الذي لم يجر بعد انتخاباته الداخلية لتحديد ترتيب الأسماء الكبيرة في التجمع لخوض المعركة الانتخابية.

ومن ثم فإن طرح الأسماء العسكرية أو حتى المعارضة من نوعية يائير لابيد، أو حتى يائير جولان تأتي في سياق التأكيد على وجود شخصيات قادرة على المنافسة لكن فرصها في التقدم أو تغيير الواقع محسوبة ولا تخرج عن سياق محدد، وأن نتنياهو ما زال لديه أرضية كبيرة للتحرك بما في ذلك الخروج من «ليكود»، إذا تباينت المواقف وربما يعمل على تشكيل حركة جديدة لخوض الانتخابات، ثم العودة لليكود مجدداً من منطق القوة، وهو أمر وارد ومهم، ويأتي في سياقات عدة برغم تطويعه موقف الليكود مؤخراً.

الرسالة أن إعادة تدوير النخبة العسكرية السابقة، ودخولها في المنافسة، يأتي في إطار محددات مهمة تحكم المشهد العام في إسرائيل، وأن هذه النخبة العسكرية لديها يقين كامل بأن الجمهور الإسرائيلي بات مهيئاً لحكم العسكريين المباشر، وأنه قد آن الأوان لعودة قيادة عسكرية حاكمة لضبط المشهد السياسي. والصراع بين النخبة العسكرية والمدنية في إسرائيل ليس وارداً، بل بالعكس قد تهيمن شخصيات عسكرية على المشهد ولو من وراء ستار في ظل إعادة ترتيب الشخصيات والأسماء المرشحة، التي تعمل في الواجهة الحزبية، وإنْ كانت تمثل المؤسسة العسكرية خاصة، وأن الضوابط الحزبية الصارمة في هيئة الأركان أو قيادات الجيش تعمل على طرح أسماء محددة لا تخرج عنها مثلما تم في اطار اختيار رئيس الأركان الحالي إيال زامير أو وزير الحرب يسرائيل كاتس. كما لا يمكن استبعاد إشكاليات تعيين رئيس الموساد رومان جوفمان مؤخراً من هذا الأمر ما يشير إلى أن الأمور تمضي في سياق متفق، وليس فقط لضغوطات أو نفوذ نتنياهو، ما يؤكد عدم وجود صراع بمعنى الكلمة، وأن الأجواء داخل إسرائيل ومراكز القوى تحكم الاتجاه إلى مسار محدد سواء باستمرار نتنياهو – بصرف النظر عن أي اتجاه راهن لتغييره –أو الاتيان بوجه آخر من نوعية ايزنكوت أو نفتالي بينت، ولو كمرحلة مؤقتة إلى حين الحسم أو الوصول لحكومة أكثر تماسكاً.

وبصرف النظر عن أي أسماء مطروحة، فقد تتغير موازين القوى المطروحة بالتأكيد خلال الفترة المقبلة وهو أمر وارد وتتحسب له المؤسسة العسكرية بالفعل مع بقاء بعض الجهات المهمة، والتي لها قرارها في توقيت محدد تجاه دعم هذا المرشح أو ذاك، وعلى رأسها المؤسسة الدينية والحاخامية الكبرى التي ستدعم في نهاية المطاف مرشحاً محدداً، وتعمل على تقديمه للجمهور الإسرائيلي لاختياره، وهو أمر لم يحسم بعد في ظل السيولة الحزبية الراهنة، والتي ستسمح بمزيد من الرهانات على بعض الأسماء المطروحة.

وفي كل الأحوال ستظل قيادة النخبة العسكرية تراقب وترصد، وقد تتدخل في نهاية المطاف للحسم والتركيز على اسم محدد، وقد لا يكون ايزنكوت وإنما بيني جانتس أو الاثنين معاً، من أجل إخراج نتنياهو من الحكومة، برغم ما يملكه من قوة حزبية لا يستهان بها.

*أكاديمي متخصص في الشؤون الاستراتيجية.
     



إقرأ المزيد