«كلمة».. يترجم فكر العالم ويُعمّق حوار الحضارات
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

فاطمة عطفة (أبوظبي)

توّجت العاصمة أبوظبي رؤيتها الثقافية بشعار «من عرف لغة العالم كله بنى جسراً للعالم كله»، وهو ما تجسد في إطلاق مشروع «كلمة» للترجمة التابع لمركز أبوظبي للغة العربية بدائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي. يُعد هذا المشروع المبادرة العربية الأضخم لنقل كنوز الفكر الإنساني إلى اللغة العربية، وتدويل الإبداع العربي عبر ترجمته إلى لغات العالم المختلفة، بما يسهم في تمهيد جسور التواصل الثقافي والانفتاح والتفاهم بين الشعوب. وقد رفد المشروع الساحة المعرفية بإصدارات متنوعة تُغني فضاء التفكير والخيال، والتي يأتي في مقدمتها «موسوعة الشعر الفرنسي» كبادرة رائدة وغير مسبوقة في هذا المجال.

وفي هذا السياق، أكد المترجم والشاعر الدكتور شهاب غانم أن الترجمة تُمثل إحدى الركائز الأساسية للتفاعل الحضاري وانتقال المعرفة الإنسانية عبر العصور، مشيراً إلى أن ازدهار الحضارة الإسلامية ارتبط تاريخياً بحركة ترجمة واسعة بلغت ذروتها في «بيت الحكمة» ببغداد خلال العصر العباسي، حيث نُقلت إلى العربية مؤلفات الحضارات الإغريقية، والفارسية، والهندية، والسريانية، مما ساهم بشكل مباشر في تطوير علوم الطب، والفلك، والرياضيات، والفلسفة. وأضاف غانم أن هذا التأثير المعرفي انتقل لاحقاً إلى الغرب خلال عصر النهضة الأوروبية، حيث شكلت مراكز الترجمة في طليطلة بالأندلس وصقلية الإيطالية معابر رئيسية نقلت المعارف العربية والإسلامية إلى أوروبا بعد ترجمتها إلى «اللاتينية»، ومن ثم إلى بقية اللغات الأوروبية.
وتابع غانم بالإشارة إلى واقع الترجمة المعاصر، مؤكداً بروز مشاريع رائدة في العالم العربي، وفي مقدمتها مشروع «كلمة» في أبوظبي تحت إشراف الدكتور علي بن تميم، وهو المشروع الذي نجح في ترجمة مئات الكتب بمهنية واحترافية عالية. وأعرب عن فخره بالمشاركة في هذه المنظومة عبر ترجمة عدد من الأعمال الشعرية، مشدداً على أن الترجمة ستبقى دائماً جسراً حيوياً للتواصل بين الأمم، وأداة أساسية لنقل المعرفة ودفع عجلة الحضارة الإنسانية.
 وفي سياق تجربته الشخصية، أوضح أنه ركز جل جهوده كمترجم على ترجمة الشعر حصراً من العربية وإليها، انطلاقاً من إيمانه بأن الشعر يُمثل المرآة الحقيقية لروح الشعوب، مشيراً إلى أنه ركّز في ترجماته للشعر العربي إلى اللغة الإنجليزية على نتاج المدرسة المعاصرة.

من جانبه، أكد الباحث والمترجم محمد آيت ميهوب أن الترجمة في عمقها تمثل لقاءً يتجاوز حدود المؤلف والمترجم ليشمل ثقافتيهما وحضارتيهما، مشيراً إلى أن الترجمة - إلى جانب فوائدها المعرفية - تعد وسيلة فعالة لحماية الهوية وصيانة الوجود الذاتي، فكلما اتسع نطاق الترجمة زاد الانفتاح على الآخر وتدعمت عوامل المناعة الثقافية الذاتية. ووصف ميهوب ترجمة «موسوعة الشعر الفرنسي» ضمن مشروع «كلمة» بأنها أحد أضخم المشاريع الترجمية العربية في العصر الحديث، مؤكداً أنها تشكل صفحة مشرقة في تاريخ الحوار الأدبي والحضاري بين الثقافتين العربية والفرنسية.

الحوار الإنساني 

وأوضح الأكاديمي والناقد الدكتور صديق جوهر، خبير الترجمة في الأرشيف والمكتبة الوطنية، أن الترجمة تمثل إحدى أهم الوسائل الحضارية التي ساهمت تاريخياً في بناء جسور التواصل بين الثقافات، من خلال نقل المعارف والأفكار والآداب، بما يعزز الحوار الإنساني، ويعمق الفهم المتبادل بين الأمم. وأشار جوهر إلى أن ترجمة «موسوعة الشعر الفرنسي» ضمن مشروع «كلمة» في أبوظبي تعد نموذجاً بارزاً لتقريب الثقافات، حيث تتيح للقارئ العربي الاطلاع على تطور الشعر الفرنسي ومدارسه الجمالية والفكرية. وأضاف أن أهمية هذا العمل لا تقتصر على نقل النصوص فحسب، بل تمتد إلى نقل السياقات التاريخية والثقافية التي شكلت التجربة الفرنسية، مما يفتح آفاقاً متجددة للمقارنة والحوار بين الأدبين العربي والفرنسي.

إثراء المكتبة العربية 

أضاف جوهر أن هذه المبادرات تسهم في إثراء المكتبة العربية بمصادر علمية رصينة، وتدعم جهود الباحثين والدارسين في مجالات الأدب المقارن، والترجمة، والدراسات الثقافية. ومن جانب آخر، يعكس مشروع «كلمة» رؤية ثقافية راسخة تقوم على الانفتاح على الإنتاج الفكري العالمي وتنشيط التبادل المعرفي، بما يكرس مكانة الترجمة كأداة للتفاهم والتقارب الإنساني. وبناءً عليه، فإن ترجمة «موسوعة الشعر الفرنسي» لا تقف عند حدود النقل التقليدي لعمل أدبي مرجعي، بل تُجسّد فعلاً ثقافياً وحضارياً يُوسع دائرة المعرفة المشتركة، ويؤكد الدور المحوري للترجمة في بناء حوار عالمي قائم على الاحترام والتفاعل الخلاق بين الثقافات.

بناء الوعي 

أكدت الدكتورة فاطمة المعمري، باحثة في مجال الأدب والنقد والتراث الثقافي، أن الترجمة تلعب دوراً أساسياً في بناء الوعي الثقافي والمعرفي، وهو ما يتجلى بوضوح في مشروع «كلمة»، الذي يبرز كإحدى أهم المبادرات العربية الهادفة إلى نقل المعرفة العالمية إلى اللغة العربية وفق منهجية علمية ذات جودة رفيعة. وأضافت المعمري أن القيمة الحقيقية للترجمة في هذا المشروع تتجاوز مجرد نقل النصوص بين اللغات، لتصل إلى إعادة إنتاج المعرفة ضمن سياق ثقافي عربي قادر على التفاعل الحي مع الإنتاج الفكري العالمي. وأشارت إلى أن المشروع يسهم بفاعلية في سد فجوة معرفية ملحوظة، من خلال إتاحة مصادر فكرية وعلمية وأدبية رصينة لم تكن في متناول القارئ العربي من قبل.
واختتمت المعمري حديثها مؤكدة أن الترجمة عبر مشروع «كلمة» تمثل أداة فاعلة للتواصل الحضاري، تعكس انفتاح الثقافة العربية على الآخر مع الحفاظ على أصالة هويتها، وتبرهن على أن التفاعل مع الثقافات العالمية يقوم على التبادل والإثراء المتبادل لا على التبعية، وخلصت إلى أن «كلمة» ليس مجرد نشاط ترجمي عابر، بل هو مشروع ثقافي ومعرفي متكامل يسهم في إعادة تشكيل حضور اللغة العربية، وترسيخ مكانتها في فضاء المعرفة العالمي.

 



إقرأ المزيد