جريدة الإتحاد - 8/14/2026 11:44:34 PM - GMT (+4 )
يُشكّل الذكاء الاصطناعي الصيني زهيد التكلفة تحدياً كبيراً للاقتصاد الهش لقطاع الذكاء الاصطناعي في وادي السيليكون. لكن حرب الأسعار نفسها باتت محفوفة بالمخاطر بالنسبة لقطاع الذكاء الاصطناعي الصيني نفسه.
وبعد تحذير عملائها من زيادة كبيرة في أسعار خدماتها، كشفت «ديب سيك» عن أسعار جديدة لأحدث نموذجيها «في 4 برو» و«في 4 فلاش»، مع تمييز الأسعار بين أوقات الذروة وخارجها، لتسجل بعض الرسوم قفزات كبيرة مقارنة بالسابق. لكن من غير المرجح أن تعني هذه الزيادة نهاية السباق نحو خفض الأسعار، فقد أمضت الشركات الصينية أكثر من عام ونصف العام في إثبات قدرتها على تطوير نماذج متطورة للغاية. وكان التحدي الأكبر هو إقناع الشركات والعملاء بالدفع مقابلها.
يوجد في الصين الآن نحو 1000 نموذج لغوي كبير، ويتنافس كثير منها من خلال تقديم رموز معالجة بأسعار منخفضة، ما يجعل بناء ميزة تنافسية مستدامة أمراً بالغ الصعوبة.ورغم أن زيادة أسعار «ديب سيك» خطوة إيجابية، فإن أسعار واجهة برمجة التطبيقات الخاصة بها، التي تتيح للشركات الوصول إلى نماذج الذكاء الاصطناعي من خلال برمجياتها، لا تزال منخفضة وفق المعايير العالمية، ولا تضمن مساراً مستداماً نحو الأرباح. كما يُشير إعادة فرض أسعار أعلى خلال ساعات الذروة إلى أن المختبر قد يسعى إلى إدارة سعة الحوسبة خلال فترات ذروة الطلب.
وخلال أوقات انخفاض الطلب، رفعت «ديب سيك» أسعار نموذج «في 4 فلاش»، وتتضاعف هذه الأسعار خلال أوقات الذروة مقارنة بالأسعار السابقة. ورغم ذلك، تظل أسعارها أقل بكثير من أسعار النموذج الأقوى لدى شركة «أنثروبيك». لكن توقيت الزيادة قاسٍ، إذ أتاح طرح مجموعة كبيرة من النماذج الجديدة خلال الأشهر الأخيرة للعملاء بدائل كثيرة إذا شعروا بأن «ديب سيك» رفعت أسعارها أكثر من اللازم.
وتزداد المشكلة تعقيداً مع النماذج المفتوحة المصدر، التي تتيح عملياً الوصول إلى مكوناتها الداخلية مجاناً، وهو نهج يحظى بدعم الحكومة الصينية، ما يجعل من الصعب على الشركات التخلي عنه حتى لو كان رفع الأسعار أكثر جدوى تجارياً. وهذا ما يدفع الشركات الآن إلى ابتكار حلول جديدة لتحقيق الإيرادات.
وأطلقت شركة «مونشوت» في بكين نموذج «كيمي كيه 3»، مع تسعير الوصول إلى واجهة برمجة التطبيقات بسعر مرتفع 3 دولارات لكل مليون رمز إدخال و15 دولاراً لكل مليون رمز إخراج. لكن شروط الترخيص تنص على أن الشركات التي تقدم النموذج كخدمة وتحقق أكثر من 20 مليون دولار خلال 12 شهراً يجب أن تبرم اتفاق تجاري مع «مونشوت». ورغم عدم إعلان تفاصيل تقاسم الإيرادات، تدرس «علي بابا» ترتيباً مشابهاً لنموذج «كيو وين 3.8 ماكس».
وتتيح هذه الآلية للشركات الحصول على جزء من قيمة النموذج مع إبقاء التكنولوجيا الأساسية مفتوحة، لكنها قد تكون أكثر صعوبة من رفع الأسعار مباشرة، إذ قد يغادر المطورون إذا لم تتمكن الشركات من إبقائهم داخل منظوماتها. لذلك قد لا تنتهي حرب الأسعار، لكنها تصبح أكثر تعقيداً.
ويثير ذلك تساؤلاً جوهرياً حول ماهية القيمة الحقيقية وما إذا كانت تتمثل في نماذج الذكاء الاصطناعي الأساسية، أم كل ما يحيط بها ويبني عليها. وإذا استمرت الأنظمة القوية في الانتشار، وأصبحت الرموز قابلة للتبادل، فقد يصبح الذكاء وفيراً قبل أن تتمكن الشركات التي تبيعه من إيجاد طريقة للربح.
وفي هذه الحالة، قد تنتقل القيمة إلى الرقائق والأجهزة، ومزودي الخدمات السحابية، والعلاقات مع العملاء، والتطبيقات التي تربط المستخدمين بطرق عمل محدد. ويمثل ذلك تهديداً للشركات التي تنفق مبالغ طائلة لبناء نماذج أكبر باستمرار، أكثر من مجرد المنافسة الرخيصة.
وأصبحت «حرب» الأسعار عالمية، فقد خفضت «أوبن إيه آي» أسعار بعض نماذج مجموعة «جي بي تي 5.6» بنحو 80% الشهر الماضي، بالتزامن مع فتح «مونشوت» الوصول إلى نموذج «كيمي كيه 3». كما دفع صعود النماذج الصينية الرخيصة شركات مثل «إنفيديا» و«ميتا» إلى الاستثمار في بدائل أميركية أرخص ومفتوحة المصدر، ما يزيد الضغط على الشركات الصينية للتنافس بأسعار زهيدة للغاية.
وقد تعتقد الشركات أن تطوير نماذج أكثر تطوراً سيمكنها من فرض أسعار أعلى، لكن المستخدمين قد لا يرون ذلك، فمع ظهور كل جيل جديد أفضل، تنخفض أسعار نماذج الجيل الأقدم، كما أن الشركات لا تحتاج دائماً إلى استخدام أقوى نموذج لأداء المهام اليومية والروتينية مثلما لا يحتاج كل مسافر إلى سيارة سباق فورمولا1.وتشير التقديرات إلى أن نحو ثلث إلى نصف استخدام الرموز يرتبط بتطوير البرمجيات، وهو أحد أوضح المجالات التي يخلق فيها الذكاء الاصطناعي قيمة فعلية. وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد يكون بعض الذين يتحملون بصورة غير مباشرة تكلفة الذكاء الاصطناعي الأرخص باستمرار هم المبرمجون الذين فقدوا وظائفهم وحل الذكاء الاصطناعي محل عملهم.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
كاتبة متخصصة في شؤون التكنولوجيا الآسيوية.
إقرأ المزيد


