«إيباك» ودور استباقي في انتخابات الكونجرس المقبلة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

إن المتتبع لنتائج التصويت الأولية داخل بعض الولايات الأميركية، وما أسفرت عنه من مفارقات يكتشف وللوهلة الأولى أن هناك بالفعل تغييراً بدأ وستنعكس، ومن الآن على عملية التصويت في نوفمبر المقبل برغم ما تقوم به «إيباك» كبري المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة، والتي تعمل على التأثير في توجه الناخب الأميركي وتطويع وجوده والتحرك في مساحات أكبر.
بوادر التغير ظهرت بعد سلسلة اتهامات طرحها قادة الحزب «الديمقراطي» بأن «إيباك» تريد فتح المجال المالي وعدم الالتزام بالدعم المباشر لبعض المرشحين ما قد يمسّ القواعد المنظمة للانتخابات العامة، ومدى دعمها المباشر لبعض المرشحين، وهو ما برز بالفعل في مساندة أكثر من 215 مرشحاً تؤيدهم «إيباك» وبدليل وضع شروط صعبة لدعم الأسماء المطروحة، ومدى التزامهم بالدعم المباشر لإسرائيل، ومواجهة من يسعى إلى وقف المساعدات العسكرية أو من يستخدم وصف الإبادة الجماعية في غزة، ومن ينتقد دور «إيباك» في الانتخابات، ومن يرفض بعض سياسات الحكومة الإسرائيلية الأمر الذي يعني أن «إيباك» لا توجه دعمها بصورة عامة في ظل ما يجري من تحديات تواجه مكانة إسرائيل في الدوائر الأميركية.
 ولعل نتائج الانتخابات في ميتشجان دليل على هذا الأمر، وفي ظل تغيرات حقيقية تمس ما سيجري خاصة أن توجه المرشح يحسم الأمر، وليس صحيحاً أن هزيمة مرشح مدعوم من «إيباك» ليس معناه تغير التصويت العام لصالح العلاقات مع إسرائيل خاصة مع رؤية كل مرشح. 
ويشير مجمل النتائج في الولايات الخمس التي جرت فيها الانتخابات إلى أن المواجهة المقبلة ستشهد نمطاً جديداً في التصويت ضد ما يمكن اعتباره التجاوز «الجمهوري» في إشارة لممارسات الحزب في الداخل وفي الخارج. ولعل هذا يرتبط بالاتجاه إلى فتح ملفات من نوعية تعديل نظام الحكم، وفتح المجال أمام الرئيس ترامب لولاية جديدة، وهو أمر يخالف كل القواعد الناظمة للحكم الفيدرالي، خاصة أنه امتّد لمحاولات «الجمهوريين»، بتوجيه من الرئيس ترامب للمساس بالنظام القضائي وصلاحيات مؤسسات الحكم الأخرى. إدارة ترامب تواجه ضغوطات كبيرة بسبب الأسعار والفائدة وتكاليف الطاقة والحرب على إيران وغيرها، ما قد يمنح الحزب «الديمقراطي» فرصة قوية في الانتخابات المقبلة، ما لم يعمد الرئيس ترامب شخصياً على الدخول على الخط والعمل على تغيير المقاربة الراهنة، خاصة أن الانتخابات المقبلة ستثبت أن المواطن الأميركي قد يغير بالفعل من المشهد الراهن داخل الحزب «الديمقراطي» حيث يشهد الحزب، ولأول مرة في تاريخه حالة من الحراك الطبقي وصراع الأجيال، وقيادات الجيل الوسط مقابل ما يسعى إليه قيادات الحزب المؤثرة في التعامل، أو التغيير بدليل ميل الناخبين الأصغر سناً والتقدميين وقطاعات أخري إلى رفض المساندة المفتوحة لإسرائيل.
ومن ثم تتجه «إيباك» لمحاولة التأثير في سياسات الحزب وعدم إعطاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقيادات الحزب «الجمهوري» دوراً في المراوغة والتحرك لإفشال أي خطوة قد تقدم عليها قيادات الحزب «الديمقراطي» في التغيير، خاصة أن المواطن الأميركي في نهاية المطاف ينظر لكل ما يجري ويتعلق بالشرق الأوسط أو بإسرائيل في سياق محدد، بحيث لا يؤثر في أولوياته الداخلية المتعلقة بكلفة المعيشة اليومية.
والمعني أن «إيباك» وكل الدوائر النافذة الداعمة لإسرائيل ستجد أجواء مختلفة للتعامل، والإشكالية تتجاوز مرشحاً بخلفية محددة حتى ولو تم التوجيه بالتمويل وراء مرشح محدد بدليل أن ميتشجان والتي تضم أكبر حضور عربي وإسلامي إلى جانب تكتلات يهودية مؤثرة قد تؤثر بصورة أو بأخرى في مسار الانتخابات التي ستجري في ظل بيئة معقّدة، بل إن مسألة غزة وموقف إسرائيل ستكون ساحة لإعادة تغيير نمط التحالف «الديمقراطي»، وهو ما يجمع شرائح عدة تضم تياراً ليبرالياً ومجموعات السود وغيرهم من اليهود المحسوبين على الحزب «الديمقراطي»، وأن ما يجري في الشرق الأوسط وغزة والسلوك الإسرائيلي في دول الجوار أمور مطروحة بالفعل في دوائر الحزب «الديمقراطي»، إلا أنها لن تكون البديل المحتمل لملفات اقتصادية ستظل لها أولوية في الانتخابات المقبلة، إذ يمكن لمرشح تقدمي رافض أو متحفّظ على المساعدات الأميركية لإسرائيل الفوز في سباق على مستوى ولاية بينما يفشل آخرون في دوائر أخرى وفقاً لما يجري مع التأكيد على بقاء بعض الثوابت التي لن تتغير، ومنها أن معركة السيطرة على مجلس الشيوخ على سبيل المثال، تبدأ من مقعد ميتشجان بثقلها الانتخابي.
إمكانية قيام إسرائيل بالتأثير في الدوائر الأميركية مستمرة بالفعل، وإنْ كانت بعض القواعد الثابتة للدعم ربما تتغير، وبرغم التأكيد على أن إسرائيل ستظل مسألة داخلية في الصراع بين الحزبين «الديمقراطي» و«الجمهوري»، وأنه لا توجد تغييرات كبيرة برغم ما يجري، وبرغم ما تحاول «إيباك» ترميمه من الآن تخوفاً من حدوث أية تغييرات مفصلية قد تعصف بوضع إسرائيل ولو بصورة أولية في دوائر الكونجرس، الأمر الذي قد يكلّف إسرائيل الكثير من التبعات، خاصة أن الأوضاع غير المستقرة في الشرق الأوسط واستمرار الخطر الإيراني وفق المنظور الإسرائيلي سيتطلب استمرار الدعم، وعدم الإغراق في تباينات حزبية أو خلافات بشأن شكل الدعم المطلوب، أو احتمالات التدخل في مسار الانتخابات المقبلة. ما يؤكد أن ثوابت الانتخابات الأميركية ستظل قائمة، لكنها قد تفرض واقعاً جديدة داخل معاقل التصويت الكبرى وخاصة في الولايات المؤثرة.
*أكاديمي متخصّص في الشؤون الاستراتيجية.



إقرأ المزيد