جريدة الإتحاد - 8/15/2026 9:23:04 PM - GMT (+4 )
في العقود الأخيرة، لم يَعُد الإلحاد مجرد موقف فلسفي ينبع عن تساؤلات علمية أو منطقية حول أصل الكون والوجود، بل تحوّل في جانب كبير منه إلى رد فعل نفسي وأخلاقي وإنساني ضد ممارسات المنتسبين إلى الدين. فكيف يُطلب من الإنسان أن يؤمن بإله رحيم، عادل، ومحب، وهو يرى أمامه سلوكيات تُمارَس باسم هذا الإله تناقض هذه الصفات تماماً. وكيف يستطيع شخص أن يُقنع غير المؤمن بوجود إله محب للجميع، بينما يرى هذا الأخير أشخاصاً يفجرون أنفسهم ويقتلون الأبرياء وهم يصرخون باسم هذا الإله؟ وكيف ندعوه للإيمان وهو يعيش، ما يطلق عليه علم النفس بـ «التنافر المعرفي»، أي الفجوة الحادة بين النص النظري والواقع العملي. تنافر يدفع الكثيرين إلى رفض الفكرة برمتها.
إن استخدام اسم الله تعالى في أعمال العنف والتدمير والتطرف والإرهاب يلغي من أذهان المشاهدين أي انطباع عن الرحمة الإلهية. تُعد هذه الأفعال، في علم الاجتماع الديني، نقطة التحول الأساسية للعديد من الشباب نحو الإلحاد أو اللادينية، حيث يتولد لديهم الانطباع بأن الدين ليس سوى محرّك للقتل والكراهية، وأن «الإله» الذي يُستدعى للقتل لا يمكن أن يكون مصدراً للخير.
كذلك التناقض الأخلاقي بين الصراخ بالتسامح وممارسة القمع، بين خطابات دينية تتحدث كثيراً عن التسامح والرحمة، لكن الواقع العملي في كثير من المجتمعات يُظهر صورةً مغايرةً تماماً. يُظهر حظراً شبه كامل لحرية التفكير وفرض عقوبات السجن أو الموت على من يُعبِّر عن رأي مختلف أو يتساءل. واقع يظهر ازدواجية بين المطالبة بالحقوق للحق الفردي عندما يكون المؤمنون أقليّة، وقمع الآخرين عندما يصبحون أغلبية. هذا التناقض يضعف المصداقية الأخلاقية للخطاب الديني، ويجعل ادعاءات التسامح تبدو مجرد شعارات جوفاء تُستخدم لأغراض السياسة والنفوذ.
يضاف لذلك ثراء رجال الدين واستغلال الفقراء، فالنصوص الدينية في مختلف الأديان تؤكد على محبّة الفقراء ورعاية المساكين، لكن الواقع يظهر في كثير من الأحيان رجال دين ومؤسسات دينية يتمرغون في الترف والغنى الفاحش، مستغلّين حتى أموال التبرعات. يجمعون الأموال باسم الإله، بينما يعاني الكثيرون من العوز، فيتحول الدين هكذا من رسالة روحية إلى «تجارة مربحة» ومصدر للنفوذ المالي والاجتماعي، حيث تتم سرقة أموال الأرامل والمحتاجين واستغلال العاطفة الدينية للبسطاء لجمع التبرعات لمكاسب شخصية. هذا المشهد يعزّز الفكرة التي طرحها الفيلسوف كارل ماركس بأن الدين يُستخدم كـ «أفيون للشعوب» لتخديرهم وإبقائهم تحت التحكم، بدلاً من أن يكون وسيلة لتحقيق العدالة الاجتماعية.
وهنا لا يمكن إنكار بشاعة الانتهاكات والجرائم الأخلاقية، مثل الاعتداءات الجنسية على الأطفال وجرائم الاستغلال الجنسي داخل المؤسسات الدينية والتستر عليها. فالجرائم المسكوت عنها أو المبرّرة باسم الدين تُعتبر من أكبر الصدمات التي تؤدّي إلى الإلحاد.
عندما ينعدم الضمير الإنساني الأساسي لدى من يُفترض أنهم «حراس الأخلاق»، يفقد الناس الثقة في المنظومة الدينية برمّتها، ويعتبرون أن الإيمان لم يمنع هؤلاء من ارتكاب أبشع الجرائم.
بالطبع لم يخلُ التاريخ الديني من مواجهة هذه الظاهرة من داخل المنظومة الدينية نفسها. يسجّل الإنجيل مواقف حادة للسيد المسيح ضد رجال الدين في عصره (الكتبة والفريسيين)، حيث وجّه لهم انتقادات لاذعة بسبب ازدواجيتهم: «وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تُغْلِقُونَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ قُدَّامَ النَّاسِ، فَلاَ تَدْخُلُونَ أَنْتُمْ وَلاَ تَدَعُونَ الدَّاخِلِينَ يَدْخُلُونَ» وأشار إلى اهتمامهم بالمظاهر والشكليات على حساب الجوهر: «تُصَفُّونَ عَنِ الْبَعُوضَةِ وَتَبْلَعُونَ الْجَمَلَ!... تَهْتَمُّونَ بِالْخَارِجِ وَالدَّاخِلُ مَمْلُوءٌ غَصْباً وَدَنَسَاً» (متى 23).
توضح هذه النصوص أن أزمة الدين مع ممثّليه ليست جديدة، بل هي معركة قديمة بين الجوهر الروحي والأخلاقي وبين المصالح الدنيوية لمن يتحدثون باسم الدين.
إلى جانب السلوكيات الإنسانية، يصطدم العقل الحديث ببعض التفاسير التي تحتوي على مضامين تتعارض مع المبادئ الإنسانية ومع الحس الإنساني السليم. نصوص أو تفاسير تُصوَّر بأنها تحض على الكراهية أو العنف ضد المخالفين، وتشجّع التمييز والتفرقة على أساس الدين أو الجنس، وتقليل شأن المرأة، وتبرر عقوبات السجن أو الموت للمخالف في الرأي. عندما تُفرض هذه النصوص كجزء لا يتجزأ من الإيمان، يجد الفرد نفسه أمام خيارين: إما أن يلغي عقله وضميره الإنساني، أو أن يرفض الدين ككل.
إن جحد الإيمان والإلحاد في كثير من الصور المعاصرة ليس حكماً على «وجود الله» بقدر ما هو رفض للنموذج الذي يقدمه المتطرفون عن الله.
عندما يصبح الدين غطاءً أو مبرّراً للإرهاب، والكراهية، والفساد المالي، والانتهاكات الأخلاقية، فإن من يفعلون ذلك هم أنفسهم يتحولون إلى العائق الأكبر أمام الإيمان. ولكي يُعاد فتح باب الحوار العقلاني والإنساني حول الإيمان، لا بدّ أولاً من مواجهة هذه الممارسات بشجاعة، وفصل الجوهر الأخلاقي للرسالات الروحية عن أخطاء وجرائم البشر الذين يتاجرون باسمها.
إقرأ المزيد


