جريدة الإتحاد - 8/15/2026 11:17:20 PM - GMT (+4 )
أبرزت حلقتان من البودكاست، بُثّتا في يوليو الماضي، استضافهما نجوم إعلاميون تقدُّميون، واستضافتا مشرّعين «ديمقراطيين» بارزين، الفجوةَ العميقة بين طريقة عمل السياسيين ووسائل الإعلام التابعة للمؤسسة السياسية، وبين طريقة تناولهما للشرق الأوسط والواقع القائم في تلك المنطقة.
أظهر كلا البرنامجين ما يحدث عندما يصطدم سياسيون من المؤسسة الحاكمة، ممن لا تحيد نقاط حديثهم المُعدّة مسبقاً عن الرأي السائد بشأن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، بمحاورين لا يتساهلون معهم. وهناك ملاحظتان: الأولى تتعلق بالعلاقة التي نشأت بين السياسة التقليدية ووسائل الإعلام الرئيسية، والثانية تتعلق بكيفية تجسيد المسألة الإسرائيلية الفلسطينية في الولايات المتحدة.
في أواخر الشهر الماضي، استضاف مهدي حسن السيناتور مارك وارنر، الديمقراطي عن ولاية فرجينيا، في مدوّنته الصوتية «مهدي بلا قيود»، فيما شارك النائب آدم سميث، الديمقراطي عن ولاية واشنطن، في برنامج كريستال بول «نقاط التحول». وبما أن وارنر هو العضو الديمقراطي الأبرز في لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ، وسميث هو الديمقراطي الأبرز في لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب، فقد كان المتوقع منهما أفضل من ذلك. واتسمت المحادثات بالاحترام، لكن أياً من المشرّعين لم يكن مستعداً للاستجواب الحاد الذي تعرّض له من مضيف البرنامج الذي شارك فيه.
وتبرز العلاقة المتشابكة بين النُّخب السياسية والإعلامية بوضوح خلال العشاء السنوي لمراسلي البيت الأبيض. فقد صوّر الرئيس دونالد ترامب وسائل الإعلام على أنها «العدو» وأنها مروّجة لـ«الأخبار الكاذبة»، مما خلق علاقة عدائية مع وسائل الإعلام الرئيسية. وترجع قدرته على فعل ذلك إلى إنشاء الجمهوريين المنتمين إلى أقصى اليمين وسائل إعلام بديلة خاصة بهم ومتعددة المنصات على مدى العقود الثلاثة الماضية.
وفي واشنطن، يعمل ويعيش معظم السياسيين، سواء من الديمقراطيين الليبراليين أو الجمهوريين الوسطيين، وشخصيات الإعلام الرئيسية التي تغطي أخبارهم على مقربة من بعضهم البعض. وتقع منازلهم في الأحياء نفسها، ويرسلون أبناءهم إلى المدارس نفسها، ويرتادون دور العبادة نفسها، ويتواصلون اجتماعياً.
وفي حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض، يختلط مشاهيرٌ من كلا العالمين. يتبادلون انتقادات مهذّبة، لكن وظائفهم تفرض عليهم استغلال المناسبة للظهور وبناء العلاقات، مما يدفع بعض الإعلاميين إلى تخفيف حدّة تغطيتهم، لا سيما في عالم الإعلام التنافسي اليوم، فإذا تجاوز صحفي ما حدوده مع المسؤولين غير المناسبين أو خالف الرأي السائد في قضية مثيرة للجدل ذات أهمية، فقد يفقد إمكانية الوصول إلى المسؤولين الذين يغطيهم أو حتى يفقد وظيفته.
وتتضح تلك المشكلة في التغطية الإعلامية للشرق الأوسط. لا شكّ أن الرأي العام بشأن القضية الإسرائيلية/الفلسطينية قد تغيّر، لكن هذا لا ينطبق على وسائل الإعلام والنخب السياسية. ويمكن الاستدلال على ذلك من بيانات استطلاعات الرأي وأصوات الكونغرس وعدد الانتخابات التي فاز فيها منتقدو إسرائيل، بجانب مئات ملايين الدولارات التي أنفقتها الجماعات المؤيدة لإسرائيل في دحر ما تسميه «المتطرفين المعادين لإسرائيل» ومحاولة التأثير على الخطاب العام. لكن هذين البرنامجين كشفا عن تأثير هذه التغيرات بطرق أخرى.
فعلى سبيل المثال، عندما يظهر كبار السياسيين من كلا الحزبين على برامج تلفزيونية رئيسية لمناقشة قضية الشرق الأوسط، عادةً ما تكون المحادثات مقيّدة بالحكمة التقليدية التي يتبنّاها كل من السياسيين ومحاوريهم. ويعود ذلك لسببين: أولاً، لا تكاد توجد شخصية إعلامية بارزة في الشبكات الكبرى على دراية بتاريخ الشرق الأوسط أو ثقافته أو سياسته. فبالنسبة لمعظم الصحفيين، يبدأ تاريخ تلك المنطقة منذ اليوم الذي كُلفوا فيه بتغطيتها، وحتى أولئك الذين أمضوا سنوات في تغطية شؤون الشرق الأوسط يميلون إلى النظر إليه من خلال الصراعات التي كُلفوا بتغطيتها أو الإحاطات التي تلقوها من صانعي السياسات، الذين بدورهم لا يملكون في الغالب معرفة مباشرة بالأشخاص المتأثرين بسياساتهم. كما أن مجموعة الخبراء الذين تستضيفهم الشبكات بانتظام كمعلقين هم في الغالب مسؤولون حكوميون سابقون أخفقوا في الماضي، ولم يتعلموا من أخطائهم، وبالتالي يواصلون نشر نفس الآراء التي طبعت مسيرتهم المهنية المؤسفة.
والأمر مماثل عند تعامل معظم المشرّعين، الذين إما يجهلون منطقة الشرق الأوسط وتاريخها، أو يتبنّون «جهلاً متعمداً» لأن الأفكار التقليدية السائدة تخدم مصالحهم. لذلك يكرّرون كليشيهات مثل «إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط»، و«إسرائيل حليف يحمي المصالح الأميركية»، أو أن «إسرائيل تريد السلام، بينما يريد العرب تدميرها».
وبغضّ النظر عما يناقشه المسؤولون المنتخبون من قضايا أخرى تتعلق بالشرق الأوسط، تُشكّل هذه الكليشيهات التي ينطلق منها السياسيون ووسائل الإعلام في تناولهم لقضايا الشرق الأوسط. لذلك لم يكن النائب آدم سميث والسيناتور مارك وارنر مستعدّين عندما واجههما كريستال بول ومهدي حسن بأسئلة صعبة حول استمرار الدعم العسكري الأميركي لإسرائيل، رغم استخدامه في انتهاك القانون الدولي، وتأثير أموال جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في الانتخابات الأميركية، وما إذا كان ينبغي ضمان حقوق متساوية للفلسطينيين.
على سبيل المثال، عندما ضغط كريستال بول على النائب سميث بشأن تأييده بنداً يسمح لإسرائيل بالإنتاج المشترك للأسلحة مع الجيش الأميركي، لجأ إلى الحجة التقليدية بأن العرب يحاولون منذ عام 1948 تدمير إسرائيل. وبعد أن ذكّرته بطرد الفلسطينيين وسألته عما إذا كان يؤيد المساواة في الحقوق وحق الفلسطينيين في العودة، أجاب بالنفي، مبرراً ذلك بأن منح الفلسطينيين حقوقاً متساوية قد يجعل العرب أغلبية، وينهي إسرائيل كدولة عرقية قومية. وربما كان بإمكان سميث تمرير هذه الإجابات في إحدى الشبكات الإخبارية الكبرى، لكن كريستال بول رفضت قبول تلك الرواية التاريخية الكاذبة التي أصبحت تقليدية وواصلت تحدّيه، ما أظهر مدى عدم ارتياحه عندما لم يُمنح فرصة لتجنب الأسئلة الصعبة.
وواجه وارنر موقفاً مشابهاً مع مهدي حسن. فعندما سُئل حول الممارسات الإسرائيلية في غزة، تهرّب من الإجابة، قائلاً إنه لا يستخدم مصطلحات معينة خشية أن يخدم من يريدون القضاء على إسرائيل. لكن حسن واصل الضغط عليه. كما قدّم وارنر إجابات مراوغة عندما سُئل عن الدور السلبي المحتمل لمساهمات «إيباك» في السياسة الأميركية.
وأظهرت المقابلتان تغيراً في المزاج العام تجاه إسرائيل، إذ أقرّ المشرّعان بأنهما يواجهان ما يكفي من الضغوط الشعبية التي دفعتهما إلى معارضة بعض حزم المساعدات العسكرية الإسرائيلية المقترحة في الموازنة الجديدة. لكنهما عادا إلى «الحكمة التقليدية الجديدة»، مدّعيين أن المشكلة تكمن في رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وأنهما لا يريدان مكافأته.
والدرس الذي يتضح جلياً في كلا المقابلتين هو الدور المهم الذي تلعبه وسائل الإعلام التقدمية المستقلة الجديدة. فهي على دراية بالقضايا التي تغطيها، وأسئلتها عفوية وغير مُعدة مسبقاً، ولا تخشى تحدي النُّخب.
*رئيس المعهد العربي الأميركي
إقرأ المزيد


