جريدة الإتحاد - 8/21/2026 11:25:49 PM - GMT (+4 )
أخطأت استطلاعات الرأي مجدداً، ودفعت أخطاؤها الفادحةُ حول الانتخابات التمهيدية مؤخراً داخل الحزب الديمقراطي، في ولايتي ميشيغان وويسكونسن، البعضَ إلى القول بأنه لا ينبغي الوثوق بالاستطلاعات. لكن النهج الأفضل هو اتباع مقولة الرئيس رونالد ريغان: «ثق، ولكن تحقق».
وتمر استطلاعاتُ الرأي السياسية بمرحلة صعبة، وأبرز مظاهر تراجع موثوقيتها هو التقليل المتكرر من حجم الدعم الذي يحظى به الرئيس دونالد ترامب في الانتخابات العامة. لكن المشكلة أقدم من ذلك، إذ أخطأ كثير من منظمي الاستطلاعات في 2012 عندما توقعوا فوز المرشح الجمهوري ميت رومني على الرئيس باراك أوباما، قبل أن يفوز أوباما بفارق يقارب أربع نقاط ويحسم معظمَ الولايات المتأرجحة بسهولة.
وأصبح الوصول إلى نتائج دقيقة أكثر صعوبةً الآن، إذ لا يكاد يجيب أحدٌ على مكالمات أشخاص لا يعرفهم مسبقاً. وهذا يقوّض الأساسَ الإحصائي للاستطلاعات الحديثة، والتي تفيد بإمكانية استخدام عينة عشوائية صغيرة لقياس آراء المجتمع بأكمله ضمن هامش خطأ محدود.
وللتكيف مع ذلك، اعتمد منظمو الاستطلاعات أساليبَ جديدةً، واستخدموا معاييرَ ديموغرافيةً لتعديل العينات، فيما يعرف بـ«الترجيح». لكن النتائج تظل معتمدة على دقة تلك المعايير. وفي ظل الاستقطاب السياسي الحاد، يمكن لخطأ لا يتجاوز 1 أو 2% في تقدير الانتماء الحزبي للناخبين أن يُغير النتيجةَ المتوقعةَ جذرياً، من فوز كامالا هاريس بمعظم الولايات المتأرجحة إلى اكتساح ترامب لها.
وتزداد الصعوبة في الانتخابات التمهيدية الحزبية، لأن منظمي الاستطلاعات يفتقرون إلى المعايير الديموغرافية اللازمة للترجيح، كما يصعب التنبؤ بمستويات الإقبال التي تتغير بشدة من دورة انتخابية إلى أخرى. وتصبح المهمة أكثر تعقيداً في ولايات مثل ميشيغان وويسكونسن، حيث يمكن لأي شخص التصويتُ في الانتخابات التمهيدية للحزب. ومن المستحيل معرفة عدد المستقلين أو الجمهوريين الذين سيقررون التصويت في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية، لاسيما وسط المنافسات الحادة هذا العام بين اليسار والتيار المؤسسي.
وربما كان ذانك العاملان وراء الفشل الذريع للاستطلاعات مؤخراً. فقد وجد محلل البيانات السياسية جي. إليوت موريس أن استطلاعاً في ويسكونسن أظهر تقدمَ الاشتراكية الديمقراطية فرانشيسكا هونغ بفارق 22 نقطة في سباق تمهيدي لمنصب الحاكم، لكنها خسرت أمام المرشح المؤسسي ديفيد كراولي بفارق نصف نقطة. وكانت عينة الاستطلاع من المشاركين أصغر سناً وأكثر ميلًا إلى اليسار. وقد يكون السبب أن الانتخابات شهدت أكثر من 792 ألف صوت، بزيادة تتجاوز 250 ألف صوت عن آخر سباق تنافسي للديمقراطيين.
وكان الإقبال القياسي تحدياً، وبصفة خاصة في ميشيغان حيث شارك أكثر من 1.5 مليون شخص في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية لمجلس الشيوخ، متجاوزين الرقم القياسي السابق البالغ نحو 1.2 مليون، واقتربوا من الرقم القياسي للانتخابات التمهيدية الرئاسية الديمقراطية في الولاية عام 2020، البالغ 1.6 مليون. ويتردد منظمو الاستطلاعات عادةً في نشر نتائجَ تفترض إقبالا قياسياً حتى عندما تشير بياناتُهم إلى احتمال حدوثه.
وفي الانتخابات الوطنية الأخيرة في المجر، أشارت بيانات أحد أبرز منظمي الاستطلاعات إلى إقبال قياسي يصب في مصلحة حزب المعارضة «تيسا»، لكنه خفّض تقديرَ الإقبال في النتائج المنشورة ليتوافق مع الرقم القياسي السابق، فقلص هامش تقدم الحزب. واتضح أن تقديره الأول كان صحيحاً، حيث تحقق بالفعل إقبالٌ قياسي، وكان هامش فوز «تيسا» أكبر قليلاً من توقعاته غير المنشورة.
والدرس الأهم: انظر دائماً إلى التفاصيل الدقيقة وراء الأرقام. ويجب على المحللين فحص طريقة ترجيح العينة ومقارنتها بالمعايير التي يستخدمها منظمو استطلاعات آخرون، والتأكد من منطقية الافتراضات التي تقوم عليها، إلى جانب دراسة اتجاهات النتائج لمعرفة ما إذا كان من المرجح حدوث تغيير في رأي الناخبين بعد نشر النتائج.
كما تجب قراءة الاستطلاعات في ضوء الظواهر السياسية المعروفة، فمرشح الحزب الثالث يحصل غالباً على أصوات أقل بنسبة تتراوح بين الثلث والنصف مما تشير إليه الاستطلاعات «النهائية» التي لا تمتد إلى عطلة نهاية الأسبوع الأخيرة، لأن الناخبين الحزبيين غير الراضين عن مرشح حزبهم قد يتراجعون عن التصويت الاحتجاجي عندما يصبح فوز الحزب المنافس احتمالًا حقيقياً. وقد ساعد ذلك على توقع هامش فوز هيلاري كلينتون في التصويت الشعبي بصورة شبه دقيقة عام 2016، رغم أن معظم الاستطلاعات منحتها تقدماً بثلاث نقاط أو أكثر.
وينبغي للمحللين توخي الحذر من اعتبار الحماس الذي يعلنه الناخبون مؤشراً دقيقاً على الإقبال. ففي عام 2012 توقعت مؤسسة الاستطلاعات «غالوب» أن يصوت الناخبون السود بمعدل أقل قليلاً من مستواهم القياسي في 2008، بعدما أظهرت الاستطلاعاتُ حماسَ مؤيدي رومني مقارنةً بمؤيدي أوباما. لكن الناخبين السود شاركوا يوم الانتخابات بمعدل أعلى من البيض للمرة الأولى، وتجاوزوا معدل مشاركتهم قبل أربع سنوات من ذلك الوقت.لذلك، ورغم عيوب استطلاعات الرأي السياسية، فإنها لا تزال أفضل مصدر للمعلومات المتاحة لمعرفة اتجاه أي سباق انتخابي في لحظة معينة. لكن يجب التعامل معها كما نتعامل مع منزل نعتزم شراءه: نفحص أساساته جيداً قبل توقيع الصفقة.
*زميل أول في مركز الأخلاقيات والسياسة العامة
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


