الأقمار الاصطناعية المكعبة.. عين فضائية تدعم إدارة الكوارث وحماية الموارد
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

آمنة الكتبي (دبي)
أحدثت الأقمار الاصطناعية الصغيرة والمكعبة تحولاً نوعياً في قطاع الفضاء العالمي، بعدما نجحت في تغيير مفهوم المهمات الفضائية، من خلال توفير حلول أكثر كفاءة ومرونة وأقل تكلفة، الأمر الذي وسع نطاق الوصول إلى الفضاء، وسرع وتيرة الابتكار في تطوير التقنيات الفضائية. حيث لم يعد دور هذه الأقمار يقتصر على الأغراض البحثية، بل امتد ليشمل تطبيقات استراتيجية في مراقبة الأرض، وإدارة الكوارث، والاتصالات، والاستشعار عن بُعد، بما عزز مكانتها كإحدى الركائز الرئيسة لمستقبل صناعة الفضاء.
وأكد عدد من المختصين في قطاع الفضاء، في تصريحات لـ«الاتحاد»، أن الأقمار الاصطناعية الصغيرة والمكعبة أصبحت ركيزة أساسية في الاستراتيجيات الفضائية الحديثة؛ لما توفره من إمكانات متقدمة تسهم في بناء القدرات الوطنية، وتسريع البحث العلمي، وتطوير حلول مبتكرة تدعم التنمية المستدامة وتعزز اقتصاد المعرفة. 

 

حلول مرنة
وقال الدكتور المهندس محمد ناصر الأحبابي، مستشار أول في مجموعة «إيدج»: إن التوسع العالمي في استخدام الأقمار الاصطناعية الصغيرة، ولا سيما العاملة في المدار الأرضي المنخفض (LEO)، يعكس تحولاً في صناعة الفضاء نحو حلول أكثر مرونة وكفاءة، موضحاً أن هذه الأقمار أسهمت في تقليص المدة الزمنية اللازمة لتطوير وإطلاق المهمات الفضائية، مع إتاحة تحديث أنظمتها بصورة مستمرة لمواكبة التطورات التقنية المتسارعة.
وأوضح الأحبابي أن تشغيل هذه الأقمار ضمن كوكبات فضائية متكاملة يتيح توفير تغطية عالمية مستمرة، ويعزز كفاءة الخدمات الفضائية في مجالات الاتصالات عريضة النطاق، والاستشعار عن بُعد، والملاحة، وإنترنت الأشياء، ومراقبة البيئة، إلى جانب العديد من التطبيقات الحيوية التي تدعم مختلف القطاعات التنموية.
وأضاف أن الأقمار الفضائية الصغيرة أثبتت قدرتها على تعزيز استدامة الخدمات الفضائية ورفع موثوقيتها، إذ إن توزيع المهام على عدد كبير من الأقمار يقلل من تأثير تعطل أي قمر منفرد، الأمر الذي عزز اهتمام الحكومات والمؤسسات التجارية والعسكرية بهذا النوع من المنظومات الفضائية.
وأشار إلى أن هذا التوجه يتوافق مع الاستراتيجية الوطنية الجديدة لقطاع الفضاء في دولة الإمارات، التي تركز على بناء قدرات وطنية متقدمة، وتعزيز الصناعات الفضائية المحلية، وتطوير حلول مبتكرة قائمة على التقنيات الحديثة، بما يسهم في دعم التنافسية الاقتصادية، وتعزيز الأمن الوطني، وترسيخ مكانة الدولة بين الدول الرائدة في اقتصاد الفضاء العالمي.

 

تكاليف منخفضة
وأكد الدكتور حميد مجول النعيمي، مدير مجمع الشارقة للفضاء والفلك: شهد قطاع الفضاء خلال العقدين الماضيين تحولاً جذرياً في فلسفة تصميم وتصنيع وفحص الأقمار الاصطناعية، حيث أصبحت الأقمار الاصطناعية الصغيرة، وعلى رأسها الأقمار الاصطناعية المكعبة محور اهتمام وكالات الفضاء والحكومات والشركات الخاصة والجامعات حول العالم.
وبين النعيمي أن هذا الاهتمام يعود إلى قدرتها على تقديم حلول فضائية فعالة بتكاليف منخفضة، وسرعة تطوير عالية، ومرونة هندسية كبيرة، مما جعلها الخيار المفضل للعديد من المهمات الفضائية الحديثة.
وأكد النعيمي أن العامل الاقتصادي يعد أحد أهم الأسباب وراء هذا التوجه العالمي، موضحاً أن تكلفة الأقمار الاصطناعية التقليدية الكبيرة تتجاوز مئات الملايين من الدراهم، سواء من حيث التصميم والتصنيع أو الإطلاق، في حين يمكن تصميم وتصنيع وإطلاق قمر اصطناعي صغير بتكلفة تتراوح تقريباً بين عدد من الملايين إلى عشرات الملايين من الدراهم الإماراتية، وذلك حسب حجم المهمة وحمولتها ودقة كاميراتها ونظام الإطلاق. وأوضح أن هذا الانخفاض ساهم في التكلفة في تمكين العديد من الدول والمؤسسات التعليمية والشركات الناشئة من دخول قطاع الفضاء، بعد أن كان مقتصراً على عدد محدود من الدول ذات الميزانيات الضخمة.
وقال تتميز الأقمار الاصطناعية الصغيرة بقصر دورة التطوير، إذ يمكن في العديد من الحالات الانتقال من مرحلة التصميم إلى الإطلاق خلال نحو عام واحد، بينما قد تستغرق الأقمار الاصطناعية الكبيرة أكثر من 10 سنوات حتى تصبح جاهزة للعمل.

وأضاف النعيمي: يعد الفارق الزمني عاملاً بالغ الأهمية، نظراً للتطور المتسارع في التقنيات الإلكترونية، والمعالجات، وأنظمة الاتصالات، والمستشعرات والكاميرات التي تتغير وتتطور بوتيرة شبه يومية.
تصميم معياري
وأشار النعيمي إلى أن من مزايا الأقمار الاصطناعية الصغيرة أيضاً مرونتها الهندسية والخدمية، إذ تعتمد في الغالب على تصميم معياري، حيث تبنى الأنظمة المختلفة مثل نظام الطاقة، والاتصالات، والتحكم بالاتجاه، والحاسوب المركزي، والحمولات على وحدات مستقلة يمكن تطويرها أو استبدالها بسهولة دون الحاجة إلى إعادة تصميم القمر بالكامل.
وتابع: يسهم هذا النهج في تقليل المخاطر الهندسية والفيزيائية، وتسهيل عمليات التكامل والاختبار، وتسريع عمليات التطوير بين الأجيال المختلفة من الأقمار الاصطناعية، مما يجعلها منصة مثالية لتجربة التقنيات الجديدة وتحديثها باستمرار.

ومن الناحية التعليمية والبحثية، قال النعيمي: وفرت الأقمار الاصطناعية الصغيرة منصة مثالية لتأهيل المهندسين والباحثين والطلبة، حيث أصبحت الجامعات ومراكز الأبحاث قادرة على تصميم وتصنيع وتشغيل أقمارها الاصطناعية الخاصة، مما يسهم في بناء الكفاءات الوطنية، وتعزيز البحث العلمي، ونقل المعرفة في مجالات هندسة الفضاء وتطبيقاته، إلى جانب إتاحة الفرصة لاختبار التقنيات الجديدة قبل اعتمادها في المهمات الفضائية الأكبر.

فضاء للإبداع والتنافسية
وقال الدكتور محمد إبراهيم العسيري، الرئيس التنفيذي لوكالة البحرين للفضاء: تجسد الأقمار الاصطناعية الصغيرة والمكعبة نقلة نوعية في فلسفة استكشاف الفضاء، محولة إياه من حكر على الدول الكبرى إلى فضاء مفتوح للإبداع والتنافسية.
وبين العسيري أنه مع تسارع وتيرة التطور التكنولوجي، وازدياد المبادرات العربية الطموحة، سترسم هذه التقنيات ملامح المستقبل القريب لقطاع الفضاء في المنطقة، معززة قدراتها العلمية، وداعمة لتنميتها المستدامة، ومؤكدة حضورها في هذا المضمار الحيوي.
وأكد أن هذا التوجه يؤكد تنامي المشاريع العربية الطموحة ففي دولة الإمارات العربية المتحدة، تم إطلاق عدد من الأقمار الاصطناعية الصغيرة في مهمات فضائية ناجحة كانت ثمرة لبناء برامج أكاديمية وبحثية فضائية في مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي في الدولة، وقد كان من بينها القمر الاصطناعي المشترك مع مملكة البحرين «ضوء- 1». كما تم إنشاء مجمع لتصنيع الأقمار الاصطناعية، لتصبح أول دولة عربية تقوم بتصنيعها محلياً.
وبين العسيري أن هذا الزخم يؤكد أن مستقبل الأقمار الصغيرة في العالم العربي يتجه نحو بناء منظومات وكوكبات متكاملة تخدم أهدافاً تنموية واستراتيجية مشتركة، وتوطين التكنولوجيا ونقل المعرفة عبر الشراكات الأكاديمية والصناعية، وتمكين الشباب والباحثين من المشاركة الفاعلة في اقتصاد الفضاء الواعد.
وأكد أن هذه الأقمار تتميز بسهولة وديمقراطية الوصول وصغر الحجم الوحدة الأساسية 10×10×10 سم بكتلة أقل من 1.33 كجم) مما جعلها في متناول الجامعات والمراكز البحثية والشركات الناشئة، مما وسع قاعدة المشاركين في قطاع الفضاء.
وتابع بالإضافة إلى تعددية المهام وتقليل المخاطر يمكن توزيع المهام على كوكبة من الأقمار الصغيرة، بحيث لا يؤدي تعطل قمر واحد إلى تعطل المنظومة بأكملها، كما يمكن التخلص منها بسهولة عبر إعادة توجيهها للاحتراق في الغلاف الجوى، مما يساهم في الحد من مشكلة الحطام الفضائي.

تحول جذري
وأوضح الدكتور بسام الفيلي، مدير عام شركة الفضاء المداري الكويتية، أن الأقمار الاصطناعية الصغيرة أصبحت محور اهتمام قطاع الفضاء العالمي، لما أحدثته من تحول جذري في أساليب تطوير وتنفيذ المهمات الفضائية، إذ أسهمت في خفض تكلفة الوصول إلى الفضاء بشكل كبير، وتسريع وتيرة تصميم وتطوير وإطلاق الأقمار الاصطناعية مقارنة بالأقمار التقليدية كبيرة الحجم. وقال الفيلي، إن ذلك أتاح ذلك تنفيذ المهمات الفضائية خلال فترات زمنية أقصر، مع إمكانية تحديث التقنيات المستخدمة فيها بصورة مستمرة لمواكبة التطورات المتسارعة في هذا القطاع.
وأضاف: كما فتحت الأقمار الاصطناعية الصغيرة آفاقاً جديدة أمام الجامعات، ومراكز البحث العلمي، والشركات الناشئة، والدول النامية، للمشاركة في تطوير التقنيات الفضائية وإطلاق مهماتها الخاصة، بعد أن كانت هذه الأنشطة تقتصر على عدد محدود من الدول والمؤسسات ذات الإمكانات المالية الكبيرة.
وتابع وأسهمت هذه الأقمار في تسريع وتيرة الابتكار، من خلال توفير منصات منخفضة التكلفة لاختبار التقنيات الحديثة، بما في ذلك أنظمة الذكاء الاصطناعي، وأجهزة الاستشعار المتقدمة، وتقنيات الاتصالات والاستشعار عن بُعد.
 



إقرأ المزيد