مصرف لبنان والتدقيق الجنائي
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في الثاني من سبتمبر الجاري، أعلن مصرف لبنان المركزي، رسمياً، إطلاقَ مهمة شركة «الفاريز أند مارسال» في «التدقيق الجنائي» حول عدد من القضايا المرتبطة بموجوداته الأجنبيىة، والتي تعرضت لاستنزاف جعلها تتراجع من 44.55 مليار دولار في نهاية العام 2019 إلى أقل من 10 مليارات في نهاية العام 2023. وبذلك يدخل لبنانُ مرحلةً جديدةً وحاسمة في ملف «الانهيار المالي»، بخطوة تختلف في أهميتها عن التدقيق المالي التقليدي، لأنها لا تكتفي بالسؤال عن حجم الخسائر، بل تسعى إلى تحديد المسؤولية، والإجابة على الأسئلة: إلى أين ذهبت الأموال؟ ومَن اتخذ القرارات التي أدت إلى استنزافها؟ ومن استفاد منها؟ وهل يتحمل مصرف لبنان وحده مسؤوليةَ الانهيار؟

لا شك في أن مصرف لبنان مسؤول بشكل أساسي عن إدارة السياسة النقدية والمالية، لكنه ليس الجهة الوحيدة المسؤولة عن الانهيار، فالأزمة نتجت عن تراكمات طويلة شملت: عجزاً مالياً متراكماً، وارتفاعاً في حجم الدين العام، وتثبيت سعر الصرف لفترة طويلة، وسياسة مالية توسعية، واعتماد الدولة على المصرف المركزي والمصارف التجارية، والهندسات المالية، وضعف الرقابة، وتراكم خسائر القطاع المصرفي، وعدم تنفيذ الإصلاحات في الوقت المناسب. ولهذا، فإن تحميل المصرف المركزي وحده كامل مسؤولية الخسائر، سيكون تبسيطاً للمشكلة، لاسيما أن صندوق النقد الدولي نفسه اعتبر الخسائر «نظامية»، مع تأكيده أن الدولة اللبنانية والمصارف ومصرف لبنان، تعرضوا جميعاً لمخاطر وخسائر مترابطة.

لقد أشارت تقارير صندوق النقد الدولي إلى أن خسائر النظام المالي اللبناني ناتجة بصورة أساسية عن أربعة مصادر: انهيار سعر الصرف، خسائر القروض المتعثرة، إعادة هيكلة الدين العام، وخسائر مصرف لبنان الناتجة عن عملياته، بما فيها الهندسات المالية والعمليات شبه المالية. وقدّر الصندوقُ الخسائرَ المالية بنحو 70 مليار دولار، وذلك في تقييمه لعام 2023، مع تحفظه على أن هذا الرقم يحتاج إلى إعادة تقييم في ضوء التطورات اللاحقة. ولا شك في أن إطلاق «التدقيق الجنائي» في مصرف لبنان، يمثل تطوراً مهماً، لا سيما أنه يأتي في مرحلة يحاول فيها لبنان إعادةَ بناء علاقته مع صندوق النقد والمجتمع الدولي، وإعادة هيكلة قطاعه المصرفي.

لكن الخبراء المراقبين للتطورات يؤكدون أن نجاحَ هذا التدقيق لن يقاس بعدد الصفحات التي سيصدرها تقرير الشركة المكلفة به، ولا بعدد المخالفات التي سيكشفها، بل بما سيحدث بعد صدوره، فإذا كشف مخالفاتٍ، ولم تتحرك النياباتُ والقضاء، فلن تكون هناك محاسبةٌ، وإذا صدرت أحكامٌ ولم تسترد الأموال، فلن يستفيد المودِعون، وإذا استردت بعضُ الأموال، دون إصلاح نظام الحوكمة، فيمكن أن تتكرر الأزمة.

وفي هذا السياق، يبقى السيناريو الأفضل، أن يتحوّل التدقيق إلى خارطة طريق للمحاسبة، واسترداد الأموال، وإصلاح مصرف لبنان، وإعادة بناء القطاع المصرفي. ومن هنا تصبح القضية أكبر من الحاكم السابق رياض سلامة، أو أي حاكم آخر، أو مسؤول مصرفي، لأنها قضية منظومة مالية كاملة، سمحت بتراكم المخاطر لسنوات، ثم تركت المودعين يتحمّلون القسمَ الأكبر من كلفة الانهيار. ولذا فالسؤال الحاسم في المرحلة المقبلة لن يكون: ماذا سيكشف التدقيق الجنائي؟ بل: ماذا سيفعل القضاء والحكومة ومصرف لبنان والمجلس النيابي بالمعلومات التي سيكشفها؟ فإذا تحوّلت النتائجُ إلى ملاحقات واسترداد أموال وإصلاحات، يمكن أن يصبح التدقيقُ نقطةَ بداية للخروج من الأزمة.. أما إذا تحوّل إلى وثيقة جديدة لتبادل الاتهامات السياسية، فإن لبنان يكون قد أضاع فرصة أخرى للمحاسبة والإصلاح.

*كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية



إقرأ المزيد