حين قال محمد بن راشد: أعظم إنجازاتي هند
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في حياة القادة جانب تراه الشعوب وتسجله كتب التاريخ، وجانب آخر يبقى خلف أبواب البيت، حيث تُصنع الطمأنينة التي تمنح القائد قدرته على مواجهة العالم. ومن هذا الجانب جاءت رسالة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله إلى رفيقة دربه، سمو الشيخة هند بنت مكتوم بن جمعة آل مكتوم.
ليست الرسالة احتفاءً بسبعة وأربعين عاماً من الزواج فحسب، بل شهادة قائد على الإنسانة التي شاركته الرحلة، وحفظت بيته، وربّت أبناءه، وكانت له، كما وصفها، السند والسكن والوطن.
وحين يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد: «أعظم إنجازاتي… هند»، فإنه يعيد تعريف الإنجاز. فالعبارة تصدر عن قائد ارتبط اسمه ببناء دبي وصناعة مستقبلها وتحويل أحلامها إلى واقع يراه العالم. ومع ذلك، حين عاد بذاكرته إلى أجمل ما حققه، لم يضع في مقدمة المشهد مدينة أو مشروعاً، بل وضع الإنسانة التي سارت إلى جانبه.
فالإنجازات الكبرى لا يصنعها القائد منفرداً، وإن ظهر وحده في واجهتها. وراءه بيت منحه الاستقرار، وشريكة حملت معه أعباء الطريق، وتحملت ما تفرضه المسؤولية من غياب وقلق وانتظار.
وقد قال سموه للشيخة هند: «كنتِ فيه الأم العظيمة، والزوجة الحنونة، والقوة الهادئة التي أواجه بها العالم». ومن هذه العبارة نفهم أن القوة ليست دائماً في القرار الذي يسمعه الناس، بل قد تكون في السكينة التي يعود إليها صاحب القرار، في بيت يحفظ توازنه، وزوجة تمنحه الثبات حين تثقل المسؤوليات.

وأقول ذلك من تجربة شخصية، فقد أبعدتني طبيعة عملي العسكري سنوات طويلة عن بيتي، بين المهمات والتدريب والاستعداد والسفر. وكنت أعود فأجد أبناءً يكبرون، وقيماً تترسخ، وبيتاً بقي متماسكاً لأن أماً حملت في غيابي ما لا يظهر في سجل الخدمة، لكنه كان جزءاً أساسياً منها.

وفي حديثه عن أبنائهما، ينتقل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد من الزوجة إلى الأم، ومن الأسرة إلى الوطن. فهو يرى في تواضع أبنائه آثار كلماتها، وفي رحمتهم بالناس آثار قلبها، وفي إخلاصهم ووفائهم للوطن آثار محبتها. فصناعة القادة تبدأ قبل المناصب، داخل البيت، حيث يتعلم الإنسان أن القوة مسؤولية، وأن النجاح لا ينفصل عن التواضع، وأن خدمة الوطن واجب وليست امتيازاً.

ولا يتوقف حضور الشيخة هند عند بيتها وأبنائها. فحين يدعو لها سموه بأن تبقى «نبضاً لمدينتي»، يربطها بدبي ومجتمعها وعطائها البعيد عن الأضواء. وقوله إن أجمل أعمالها لا يعلمها إلا الله، وإن أسعد أيامها يوم تفرّج فيه هموم الفقراء، يكشف وجهاً آخر للمدينة، وجهاً لا يُبنى بالإسمنت والزجاج، بل بالرحمة والتكافل وصون كرامة الإنسان.

وتمتد الرسالة إلى الأحفاد، حين يطلب إليها أن تخبرهم عن حكايات الأجداد وعظمة الأوطان ومسؤولية الإنسان تجاه أخيه الإنسان. وهنا تصبح هند ذاكرة للأسرة وجسراً يصل الأجيال الجديدة بقيم من سبقوهم، فالوطن لا تحميه المنجزات المادية وحدها، بل يحميه جيل يعرف كيف بدأت الحكاية ويدرك مسؤوليته عن استمرارها.

لقد أعلن محمد بن راشد امتنانه ولم يكتفِ بالشعور به، مؤكداً أن اعتراف القائد بفضل من سانده لا ينتقص من هيبته، بل يرفعها. وكتب إلى هند رسالة حب ووفاء، لكنها وصلت في معناها إلى كل زوجة وأم حملت مسؤولية بيتها في صمت، وأسهمت من داخله في بناء وطن.

وحين قال: «أعظم إنجازاتي… هند»، لم يشر فقط إلى إنجازاته التي يعرفها العالم، بل كشف لنا أيضاً الأساس الذي قامت عليه.

*لواء ركن طيار متقاعد



إقرأ المزيد