جريدة الإتحاد - 9/12/2026 8:57:12 PM - GMT (+4 )
مع حلول ذكرى أخرى لأحداث 11 سبتمبر، من المهم ألا نتذكر مأساة ذلك اليوم فحسب، بل أن نتوقف عند الأفكار التي قادت إليه. فالفكر الذي وقف خلف عنف تنظيم «القاعدة» لم يظهر فجأة في أفغانستان، ولم يبدأ في الكهوف. جذوره تعود إلى تيار فكري تبلور في مصر خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وفي مقدمة من صاغه سيد قطب داخل جماعة «الإخوان».
والعودة إلى هذه الجذور ليست بحثاً في التاريخ من أجل التاريخ، بل لفهم كيف تنتقل الأفكار من جيل إلى آخر، وكيف تتغير أشكالها بينما تبقى بعض أصولها حاضرة. والأهم أن قادة تنظيم «القاعدة» أنفسهم رأوا في هذا الفكر امتداداً لحركة سبقتهم: جماعة «الإخوان».
لا يمكن الحديث بصدق عن التاريخ الفكري للإرهاب الإسلاموي من دون التوقف عند «الإخوان». فقد استفادت الجماعة لعقود من رواية مريحة تقول، إن العنف الذي خرج من رحم أفكارها لا علاقة له بها، وإن الذين تبنوه كانوا مجرد متطرفين خرجوا عن مسار الجماعة. وفي المقابل، حرصت الجماعة على تقديم نفسها بوصفها حركة سياسية معتدلة ومدنية وديمقراطية.
لكن تغيير الخطاب السياسي لا يمحو التاريخ الفكري.
ومن أبرز الأسماء في هذا التاريخ سيد قطب، الكاتب المصري الذي انضم إلى جماعة «الإخوان» في مطلع الخمسينيات بعد عودته من الولايات المتحدة، حيث خرج، بحسب كتاباته، بنظرة شديدة السلبية إلى ما اعتبره مادية الغرب وعلمانيته وانحلاله الأخلاقي.
وبعد الصدام بين «الإخوان» وحكومة جمال عبد الناصر، دخل قطب السجن. ولم تؤدِ سنوات السجن إلى تراجع أفكاره، بل زادتها تشدداً. وفي تلك الفترة كتب كتابه الشهير «معالم في الطريق»، الذي أصبح لاحقاً واحداً من أهم النصوص التي أثرت في الفكر المتطرف الحديث.
كانت إحدى أخطر أفكار قطب إعادة تعريفه لمفهوم «الجاهلية». فالمفهوم كان يشير تقليدياً إلى حال العرب قبل الإسلام، لكن قطب وسّعه ليشمل مجتمعات وحكومات مسلمة رأى أنها لا تحكم وفق تصوره للإسلام. وبذلك لم يعد كافياً أن تكون الدولة أو المجتمع مسلماً في اسمه أو هويته؛ بل أصبحت الشرعية، في منطقه، مرتبطة بالخضوع لتصوره للحاكمية الإلهية.
ومن هنا ظهرت مشكلة بالغة الخطورة: إذا كانت الحكومة المسلمة لا تطبق هذا التصور، فيمكن اعتبارها فاقدة للشرعية، بل يمكن أن يُتهم حكامها بالردة. وإذا كان المجتمع نفسه يعيش في «الجاهلية»، فإن تغيير النظام لم يعد مجرد مشروع سياسي، بل يمكن تحويله إلى واجب ديني. وهنا يصعب اختزال الأمر بالقول إن هؤلاء كانوا «مجرد متطرفين». فقطب لم يكن شخصية هامشية لا علاقة لها بالإخوان. كان أحد أبرز مفكريها، وكتب أهم أفكاره في إطارها الفكري. ثم جاءت أجيال من المسلحين لتقرأ هذه الأفكار وتبني عليها.
ولعل أيمن الظواهري يقدم أوضح مثال على ذلك.
فالظواهري لم ينشأ فكرياً من فراغ. لقد نشأ في البيئة الإسلاموية المصرية التي تأثرت بأفكار قطب، وتشرّب الفكر القطبي بعمق. ومع مرور الوقت، اتجه «الإخوان» إلى المشاركة السياسية والتدرج، بينما رأى الظواهري وغيره من المسلحين أن هذا التدرج ليس إلا تراجعاً عن المشروع الثوري.
انخرط الظواهري في العمل المسلح السري، وارتبط بتنظيم «الجهاد الإسلامي» المصري، الذي تبنى مواجهة مسلحة مع الدولة المصرية وشارك في اغتيال الرئيس أنور السادات عام 1981.
وهنا بدأت تتضح صورة جديدة: الجماعة تسلك طريق العمل السياسي والاجتماعي، بينما تحمل تنظيمات أخرى الأفكار الثورية إلى العمل المسلح. لم تكن هذه التنظيمات نسخة من «الإخوان»، ولم تكن متطابقة معها، لكن الصلة الفكرية بينها لم تكن وهماً.
ثم جاء التحول الأكبر عندما التقت «الجهادية» المصرية بحركة أسامة بن لادن العابرة للحدود. انضم الظواهري في نهاية المطاف إلى بن لادن، حاملاً معه خبرة «الجهادية» المصرية وأفكارها وشبكاتها التنظيمية، بينما كان بن لادن يمتلك المال والعلاقات والخبرة التي اكتسبها من الحرب الأفغانية ضد الاتحاد السوفييتي. ومعاً، نقلا هذه الأفكار من إطارها المصري إلى مشروع عابر للحدود.
في البداية، كان التركيز على ما سمي بـ«العدو القريب»: الحكومات المسلمة. لكن بن لادن والظواهري وسّعا دائرة الصراع لتشمل «العدو البعيد»، وفي مقدمته الولايات المتحدة وحلفاؤها، باعتبارهم، في تصورهم، القوة التي تحمي الأنظمة التي يحاربونها.
وكان المنطق الذي بنوا عليه ذلك واضحاً: إذا كانت الحكومات المسلمة فاقدة للشرعية لأنها لا تطبق تصورهم للإسلام، وإذا كانت الولايات المتحدة والقوى الغربية تدعم تلك الحكومات، فإن الغرب نفسه يصبح هدفاً مشروعاً في نظرهم.
وهكذا انتقلت الفكرة من مرحلة إلى أخرى: وضع قطب الأساس الفكري، وحوّل الظواهري هذا الفكر إلى مشروع ثوري مسلح، ثم نقل بن لادن المعركة إلى المستوى العالمي.
ولهذا، فإن القول إن «الإخوان ليسوا القاعدة» لا يحسم النقاش أصلاً. فهذا ليس هو السؤال.
السؤال الحقيقي هو: هل ساهم فكر «الإخوان»، ولا سيما «الفكر القطبي»، في تشكيل البيئة الفكرية التي خرجت منها الجماعات الإرهابية التي وصلت في النهاية إلى تنظيم «القاعدة»؟
الجواب نعم.
فقطب كان من أبرز مفكري «الإخوان». ومفهومه عن «الجاهلية» وسّع بصورة جذرية دائرة من يمكن اعتبارهم خارج الإسلام الصحيح. وفكرته عن الحاكمية نزعت الشرعية عن أنظمة سياسية لم تستجب لتصوره للحكم الإسلامي. ثم جاءت جماعات مسلحة وقرأت هذه الأفكار بطريقة أكثر تطرفاً، ورفضت الطريق السياسي الذي اتجه إليه «الإخوان» لاحقاً.
لهذا فإن مشكلة «الإخوان» لا تختصر في القول إن «بعض أعضائها السابقين أصبحوا إرهابيين». المسألة الأعمق هي أن الحركة أنتجت ونشرت مفردات وأفكاراً أيديولوجية أخذها متطرفون لاحقاً إلى أبعد نتائجها، حتى بعد أن ابتعدوا تنظيمياً عن الجماعة.
والأهم أن المشروع لم يكن قائماً على اعتبار الإسلام ديناً فحسب، بل على تقديمه باعتباره مشروعاً سياسياً شاملاً، يمكن من خلاله الحكم على الأنظمة والمجتمعات، وتقسيم الناس بين من يحققون «الإسلام الصحيح» ومن يعيشون في «الجاهلية».
أخذت الجماعات «الجهادية» هذه الرؤية إلى أقصى حدودها.
وبحلول الوقت الذي خطط فيه تنظيم «القاعدة» لهجمات 11 سبتمبر، كانت هذه الأفكار قد قطعت مساراً طويلاً. بدأت مع قطب، وتطورت في أوساط الجهادية المصرية، ثم حملها الظواهري إلى تنظيم أكثر راديكالية، قبل أن يوسع بن لادن نطاقها ويحوّلها إلى مشروع عالمي.
لقد أنجبت جماعة «الإخوان» تنظيم «القاعدة» و«داعش» و«حماس». والقول إن هذه التنظيمات لا تمت بأي صلة إلى التاريخ الفكري للإخوان ليس مجرد تبسيط للتاريخ، بل هو إنكار واضح لسلسلة من الأفكار والتأثيرات التي لا يمكن تجاهلها.
*مستشار برلماني
إقرأ المزيد


