أميركا.. أهم دروس أحداث 11 سبتمبر
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

لقد غابت الحقيقة عن العالم بشأن بتنظيم «القاعدة». ففي 26 فبراير 1993، أي قبل هجمات 11 سبتمبر بثماني سنوات، قاد إرهابيون إسلاميون شاحنة مفخخة إلى مرآب مركز التجارة العالمي في مانهاتن السفلى؛ بهدف إسقاط البرجين التوأمين. وأسفر الهجوم عن مقتل ستة أشخاص، لكن المخطط باء بالفشل، وظل البرجان قائمين. وكان ذلك الهجوم بداية رحلة استمرت ثلاثة عقود في عالم الإرهاب، سعياً لفهم هوية هؤلاء المسلحين الإسلاميين وأسباب إصرارهم الشديد على مهاجمة الولايات المتحدة. وكنت أول من أجرى مقابلة تلفزيونية مباشرة مع أسامة بن لادن في عام 1997، وواحداً من قلة من المراسلين تمكنوا من متابعة تطور التنظيم وتحولاته، سواء قبل الهجمات أو بعدها.
 ومع الذكرى الـ25 للهجمات، من المهم تصحيح الحقائق حتى نتمكن من تجنب الأخطاء التي نرتكبها بأنفسنا، وتجديد جهودنا لمنع وقوع هجوم مماثل مستقبلاً. وفي مارس 1997، دعا ابن لادن فريقنا الإعلامي في شبكة «سي إن إن»، حيث اصطحبنا رجال مدججون بالسلاح من فندق متواضع في شرق أفغانستان، في رحلة أمنية مشددة ومعقدة لحماية زعيم الجماعة السرية الصغيرة التي أسسها ابن لادن في أواخر ثمانينيات القرن الماضي. وأمام الكاميرا، شن هجوماً لاذعاً على السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط، وأعلن وقتها الحرب رسيماً على الولايات المتحدة.
 وبعد هجمات 11 سبتمبر، أوضح ابن لادن أن حربه كانت، من وجهة نظره، «دينية في جوهرها». وجاء التفويض الديني الأساسي لمهاجمة أهداف مدنية أميركية في فتوى أصدرها رجل الدين المصري المتطرف الشيخ عمر عبد الرحمن، الذي كان مسجوناً في ولاية كارولاينا الشمالية خلال تسعينيات القرن الماضي. وكان ابن لادن يعتقد أنه يحتاج إلى فتوى من رجل دين بارز لتبرير حربه المقدسة، وهي حرب لم يكن معظم علماء المسلمين ليجيزها.
 أما الحقيقة المزعجة التالية، فهي أن الأميركيين هم من صنعوا المأزق الذي أعقب 11 سبتمبر في الشرق الأوسط، فقد زعم بعض المعلقين أن الهجمات كانت حيلة بالغة الخبث لجر أميركا إلى حروب لا يمكن الانتصار فيها في العالم الإسلامي. لكن ابن لادن كان يعتقد بأن أميركا مجرد نمر من ورق، وكان يتوقع أن يقتصر ردها على ضربات محدودة على معسكراته في أفغانستان. ولم يتوقع حرب بوش الكارثية على العراق بعد عام ونصف العام من الهجمات.
 ومع ذلك، أثبت ابن لادن حجم الخطر الذي يمكن أن يشكله فرد واحد لديه المقدرة، حتى وإن كان يحظي بشبكة دعم صغيرة نسبياً. فحتى في ظل ملاحقته، ظل ابن لادن مديراً مباشراً في شؤون تنظيم «القاعدة»، ولم يكن مجرد زعيم رمزي منعزل كما قدرت وكالة الاستخبارات المركزية وبعض الباحثين.
 وكشفت وثائق عُثر عليها في مخبئه بمدينة أبوت آباد في باكستان عن مفاجأة أخرى غير متوقعة، فقد أدت اثنتان من زوجات بن لادن، وكلتاهما تحمل درجة الدكتوراه، دوراً مهماً في تشكيل تفكيره الاستراتيجي وتصريحاته العلنية.
 وبينما تلاشت ذكرى الهجمات، لا تزال تداعياتها السياسية حاضرة، وغالباً ما نتحمل تكلفتها. ففي طريقه إلى البيت الأبيض عام 2016، استغل دونالد ترامب مخاوف الناخبين من الإرهاب، الذي ظل شاغلهم الأبرز بعد الاقتصاد. وكان قراره سيئ السمعة المعروف بـ«حظر المسلمين» استجابة للتهديدات الإرهابية التي شكلها تنظيم «داعش». وهذه الحقيقة، أكثر من غيرها، توضح أهمية فهم هجمات 11 سبتمبر بعد مرور 25 عاماً. إذ يمكن للتطرف، سواء كان دينياً أو من نوع آخر، أن يدفع أشخاصاً لا يكترثون بما سيحدث لهم أو لأتباعهم إلى شن هجمات خطيرة وعدمية. ويزداد ذلك إثارة للقلق في عصر يمكن فيه استخدام الذكاء الاصطناعي لتطوير أسلحة بيولوجية لا نملك فيه سوى دفاعات ضعيفة في مواجهتها.
 ومثلما تمكن ابن لادن من الإفلات من ملاحقة أميركا ومهاجمتها، لا يزال بإمكان جهات منفردة خارجة عن القانون أن تشكل تهديدًا اليوم. ففي عصر المراقبة شبه الشاملة، قتل ضابط عسكري سعودي مرتبط بتنظيم «القاعدة» ثلاثة بحارة أميركيين في بينساكولا بولاية فلوريدا عام 2019. ومع انتشار استخدام الجماعات المسلحة في أنحاء العالم للطائرات المسيرة المسلحة، فإن استخدامها ضد أهداف داخل أميركا تبدو مجرد مسألة وقت. وأخيراً، عندما نتصدى للتهديدات، قد نكون نحن أنفسنا أسوأ أعدائنا. فلم نكن بحاجة إلى خوض الحرب في العراق.


 ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»
*خبير الأمن القومي ومكافحة الإرهاب- ومحلل الأمن القومي في شبكة «سي. إن. إن»



إقرأ المزيد