جريدة الإتحاد - 9/15/2026 12:01:38 AM - GMT (+4 )
حلّ عيد العمال الأميركي، وربما بدأتَ تَفتقد أمواجَ البحر ونسائمه، أو هدوءَ الغابة وظلالها الخضراء. هذه هي الصور التي يسمّيها المعالجون النفسيون ومدرّبو اليوغا «مكان السعادة». لكن إذا أصبحت هذه المُتع هي تصورك للسعادة القصوى، فقد تحتاج إلى إعادة النظر. فكثيرون يرون أن هدف الحياة هو العمل بجد وتحقيق النجاح، ثم قضاء بقية العمر في راحة ورفاهية: الإبحار بلا وجهة، أو الذهاب إلى جنوب فرنسا وتذوق الأطباق الفاخرة، أو الانتقال من مهرجان موسيقي إلى آخر.
وهذا، في نظر كثيرين، هو معنى السعادة. فقد رأى الفيلسوف النفعي جيريمي بنثام أن علينا السعي إلى أقصى قدر من المتعة وتجنُّب الألم قدر الإمكان. أما أوسكار وايلد فكتب أنه لا يندم لحظةً على أنه عاش من أجل المتعة، وأنه عاشها إلى أقصى حدٍّ ولم يترك متعةً إلا واختبرها.
لكن هناك مَن يرى أن هذا النوع من السعادة، إن لم يكن علينا تجنُّبه تماماً، فينبغي على الأقل تناوله بجرعات محسوبة. إذ يحذّر الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور من أن للإنسان عدوين رئيسيين: الألم والملل، حيث نستخدم عقولَنا لحماية أنفسنا من الألم، لكن بمجرد أن نتخلص منه، يواصل العقل العمل مطالباً بأهداف جديدة ووسائل جديدة للتسلية. وهكذا ننخرط في الحماقات: نقامر ونخسر، فنفتعل الشجارات. العقل بطبيعته لا يستطيع أن يستقر. والمشكلة في الحياة السعيدة التي نتوق إليها أنها ستولِّد المللَ حتماً، والملل يجلب المتاعب.
لقد كتب شوبنهاور أن المرءَ يمتلك «الكثير من العلاجات الوهمية» لمواجهة الملل، مثل الحفلات والمسارح واللقاءات الاجتماعية وألعاب الورق والخيول والسفر.. إلخ، لكن هذه ليست سوى مسكّنات مؤقتة، إذ سرعان ما يعاودنا الشعور بالملل. والحل في رأيه هو العثور على ما يشغل العقلَ: جمع العملات أو الطوابع، دراسة الحشرات والطيور، تعلّم اللغات، وقراءة الكتب الجيدة وتلخيصها.. فلا ينبغي ترك العقل للخمول. إنّ كثيراً من المشاهد التي نربطها بالسعادة، مثل الشاطئ الذهبي والشلالات، قد تتحول إلى مصائد للملل.
ورأت الكاتبة الفرنسية سيمون دو بوفوار أيضاً أن النشاط والفاعلية أفضل من السعادة السلبية. ومثل جان بول سارتر، اعتبرت أن أخطر الإغراءات هو «الوجود في ذاته». فالأشخاص الذين يعيشون وفق هذا التصور يسعون إلى تجسيد صورة للكمال وإظهار أنفسهم للآخرين باعتبارهم مكتملين. ويتفق شوبنهاور ودو بوفوار على الابتعاد عن حياة السعادة الخاملة والتوجه نحو شيء أكثر صعوبة. وربما رأى شوبنهاور أن دو بوفوار تطلب الكثير من الرجال والنساء، لأنه لا يعتقد أن معظم الناس قادرون على ابتكار ذواتهم بصورة أصيلة. أما أنا فأميل إلى رأي دو بوفوار، وأرى في طلابي إمكانات وآمالاً تتجاوز جمع العملات أو ممارسة علم الفلك كهواية.
ويقدم فريدريش نيتشه شاهداً آخر ضد السعادة بوصفها اكتفاءً كاملاً. فـ«الإنسان الأخير» في فلسفته هو نتاج ثقافة تشجّع على سعادة صغيرة ومضمونة. لديه «متع صغيرة للنهار» و«متع صغيرة لليل»، ويعيش من أجل إشباعات محدودة، ويتجنب المخاطرةَ وبذل الجهد من أجل مكاسب كبيرة. إنه يعمي نفسه عن الفكر والإبداع الفني وعن الوجود من أجل ذاته، لكنه يظل سعيداً بطريقته.
ولا يعني هذا رفض كل أشكال السعادة الباعثة على الرضا النفسي. لكن ربما يكون السعي إلى المعنى أفضل من السعي إلى المتعة. وحتى الباحثون عن المعنى يحتاجون إلى الراحة أحياناً، سواء في غابة خضراء أو على شاطئ مُشمس. فقد استمتع نيتشه نفسُه لبعض الوقت بحياة هادئة في تورينو بإيطاليا. لكن ربما علينا ألا نبقى طويلاً في مكان سعادتنا، وبالتأكيد ألا نطمح إلى أن نعيش فيه بقية حياتنا.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»
*مؤلف حاصل على جوائز وله أعمال في الفلسفة والنقد الأدبي والثقافي
إقرأ المزيد


