جريدة الإتحاد - 9/15/2026 12:08:50 AM - GMT (+4 )
تسود قناعة عامة بأن المفاوضات الرامية إلى حل النزاعات الدولية مفيدة دائماً. وغالباً ما تعزز وسائلُ الإعلام تلك الرؤية، مشيرةً إلى تقدم المحادثات، وتسارع وتيرتها أو تكثيف الجهود لمزيد من الاجتماعات. ومع ذلك، فإن الدبلوماسية غير المجدية قد تسبب ضرراً يفوق نفعها. كما قد تلعب تطورات غير متوقعة دوراً في تعزيز الموقف التفاوضي لأحد أطراف النزاع. وللأسف، يبدو أن هذا السيناريو يتشكل في الحرب الروسية الأوكرانية. فقد حملت الزيارتان الأخيرتان إلى موسكو وكييف، واللتان أجراهما مبعوثا إدارة ترامب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، مؤشراتٍ غير مشجعة، رغم الضجة الإعلامية المعتادة. وكانت جهودهما الأخرى بشأن أوكرانيا قد فشلت في وقت سابق من العام الجاري. وبينما كان ويتكوف وكوشنر يجتمعان بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كان الناخبون في ولاية «ساكسونيا-أنهالت»، شرقي ألمانيا، يمنحون حزب «البديل من أجل ألمانيا» أكبر انتصار انتخابي في تاريخه القصير. والحزب، الذي يعارض تقديم مساعدات عسكرية لأوكرانيا، يوصف كثيراً بأنه موال لروسيا ومعاد لحلف «الناتو»، وحتى لأميركا. وقد تكون لهذا الانتصار تداعياتٌ كبيرةٌ على السياسة الألمانية، بما قد يحمل عواقب مماثلة في الانتخابات الرئاسية الفرنسية العام المقبل، في وقت تفتقر فيه أوروبا إلى قادة أقوياء. وقد يعزز تزامن هذه التطورات ثقة موسكو بأنها لا تزال تتمتع بنفوذ سياسي على الرئيس دونالد ترامب، وأن الاتحاد الأوروبي يتعثر، بينما تقترب الحرب من شتاء قد يكون طويلاً، سواء في ساحات القتال أو داخل البلدين المتحاربين.
وصرّح ويتكوف بأنه سمع «أفكاراً جديدة» من روسيا، لكنه لم يفصح عن ماهيتها. كما وصف هو وكوشنر المحادثات بأنها كانت «جوهرية» دون تفاصيل. ومن المؤكد أن الجانب الروسي كان مسروراً بتعليق ويتكوف بأنه بعد تقاعده، سيكون لديه «قصصاً مذهلة وذكريات مذهلة»، وأن الرئيس بوتين سيكون «في مقدمتها جميعاً». وفي كييف، قال ويتكوف إن الولايات المتحدة جاءت بأفكار «مهمة ومقنعة»، وإن أوكرانيا بحاجة إلى تقديم «تنازلات». كما أعرب عن ثقته في التوصل إلى «حل جيد» بعد لقائه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، رغم أن الأخير اكتفى بالقول: «ستستمر الحرب».
وأفادت تقارير إعلامية أقل تفاؤلاً بأن ممثلي ترامب حملوا «نسخاً محدّثة من وثائق سابقة»، و«أفكاراً جديدة قليلة»، وكانوا يسعون إلى إحياء مقترحات سابقة. كما شددت روسيا مجدداً على ضرورة معالجة «الأسباب الجذرية» للحرب، وهي عبارة يقصد بها انسحاب أوكرانيا بالكامل من دونباس، ووقف توجهها نحو الغرب، بما في ذلك أي مسعى للانضمام إلى «الناتو». لذا، لم يكن استنتاج زيلينسكي بأن الحرب ستستمر مفاجئاً. وتؤكد هذه التطورات أن ترامب لا يزال يعتقد بأن الروس أصدقاء لإدارته، فلماذا يقدم تنازلات الآن؟
والكرملين يعرف أن ترامب يربط العلاقات بين الدول بالعلاقات الشخصية بين قادتها، وهو يتحدث كثيراً عن علاقاته مع الرئيس بوتين. وهذا الفهم الخاطئ للعلاقات الدولية يدفع ترامب إلى التقليل من شأن السلوك الروسي، حتى لا يبدو وكأنه فقد «لمسته السحرية» في التعامل مع ملف الحرب. وخارج ألمانيا، شهدت بريطانيا تغييراً في رئاسة الحكومة مع تولي رئيس وزراء جديد. وفي فرنسا قد تفوز مارين لوبان، ذات المواقف المتقاربة مع روسيا، بالانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2027.
ولا أحد يعلم ما ستسفر عنه الانتخابات الوطنية السويدية المقبلة. في هذه الظروف ربما يتعين على «الناتو» أن يجعل من تسريع وتيرة المساعدة لأوكرانيا أولوية في الوقت الراهن، وذلك للحد من آثار الهجوم الروسي الشتوي، وجعله عديم الجدوى، كما في المحاولات السابقة، إلى حين ظهور زعيم جديد سواء من واشنطن أو أوروبا، قادر على حشد الغرب وتوحيد صفوفه.
*مستشار الأمن القومي للبيت الأبيض بين عامي 2018 و2019
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


