جريدة الإتحاد - 9/15/2026 12:22:45 AM - GMT (+4 )
عاد خير جليس في الزمان كتاب في دورة استثنائية، وفي موعد أجبرتنا الظروف على تأجيله لا إلغائه. عاد معرض أبوظبي الدولي للكتاب كعادة سنوية تفرح بها العاصمة، وتبتهج بعرسها الثقافي الجميل، ذاك الذي يضيء سماءها بوهج الحرف وجلال الكلم، هو ذاك الحضور السنوي للكتاب، ومنذ ما يقارب الأربعين عاماً إلا قليلاً، حين كانت الفكرة النبيلة ما تزال بذرة لسنبلة شهدناها تكبر بِنَا ومعنا، حينما كان المعرض خيمة في العراء، لكنه كان دافئاً كقلب أم لا يتعب من الحب.
هو حضور آخر لأرباب القلم حين يترافدون زرافات وفرادى على زاويا الأمكنة، ومناطق الدفء في أبوظبي، يأتون محملين بجميل أفكارهم ونيّر آرائهم، وحاملين في حقائبهم ذلك الود القديم، والحب الذي يتجدد للناس ولهذا البلد.
مشاريع معارض الكتب التي تستضيفها بعض العواصم العربية هي ظاهرة خير، وعلامة صحو في هذه الأيام المدلهمة بالخطب وجليل مستعصيات الأمور في عالمنا العربي، ولكي لا نفتقد بشارة الصبح، وبارقة الأمل، ولنبدد الظلمات بالقلم والكتاب، وما طرس فيها من مداد المعرفة، ونور الحكمة، والإيمان حيث يتجلى بالبرهان والسلطان، ومحاججة الآخر، ومعونته على قول فكره، لا استقصاء، ولا حجر، ولا إلغاء لثقافات الآخرين، فالناس أسوياء ومتساوون لا دين ولا لون ولا عرق يفرِّق، تبقى إنسانية الإنسان هي الرهان الحضاري لكل الأشياء، وهي التي تعضّد المجتمعات على النهوض من عثراتها.
وليس من معين على ذلك مثل العلم والعمل، وخير العمل ما قام على العلم، وخير حافظ للعلم الكتاب، وإن تعددت أوجهه، وتنوعت مساربه، منذ الكتابة على جدران الكهوف والحجر والعظم والرقيم والجلود والخشب، وما أنتجت النخلة من حطب إلى أن جاء القرطاس وتسيّد، وجاءت معه الطباعة بمختلف أطوارها وتسيّدت، واليوم يتراجع الكتاب الورقي قليلاً لصالح الشاشات وما يمكن أن تخزن الحواسيب الرقمية، مختصرة الوقت والجهد والحيز، غير أن للكتاب تلك القدسية التي ستظل معه، وسيحافظ عليها بتطوير أدواته وشكله، ويمكنه أن يجاري الكتاب الرقمي، لكن لن يتماهى فيه.
للقادمين من الناشرين هنا ألف تحية حولية تتجدد، وللكتّاب المشاركين على هامش معرض أبوظبي الدولي للكتاب كل السلام والود ورحابة الصدر، ولعشاق تلك الرائحة شبه الترابية، والتي تأتي مع الكتاب الجديد كشيء من عبق الثرى حين يجسه نف المطر، كل الهلا، والرحب، فالمعرض ميدانكم، والكتب هي متاع العقل والقلب، وبصيرة تأتي مع حروف المعرفة والنور، وبصر ينير لنا الدروب المظلمة، والدروب الظالمة بالجهل، وبالرجعية وبالذين يريدون أن يغتالوا حلمنا، وحبنا للحياة، وفرحنا بها حين تكون ملونة بالخير والحق والجمال.
إقرأ المزيد


