جريدة الإتحاد - 9/16/2026 12:20:48 AM - GMT (+4 )
منذ سنواتٍ توقفتُ عن الذهابِ إلى معرض الكتاب لأقتنيَ الكتب، أصبحتُ أذهبُ للبحثِ عن شيءٍ آخر.. لا أستطيع أن أُسمِّيَه!
أصبحنا نملك من المعلوماتِ أكثرَ من أيِّ وقتٍ مضى، وأحتفظُ بكتب كثيرة في هاتفي ربما سينقضي العمرُ قبل أن أُكملَها كلَّها.
ولديَّ الكثيرُ من الأسئلةِ المعرفيةِ التي سأجدُ إجاباتِها من دون داعٍ لسؤالِ أحدٍ عنها؛ ورغم ذلك ما زلتُ أذهبُ كلَّ عام.. لماذا يا ترى؟!
أفضلُ الأشياءِ التي حصلتُ عليها في حياتي كان سببُها معرضَ الكتابِ؛ أشياء لم أسعَ إليها إطلاقاً، ووصلتْ متخفيةً كمصادفةٍ جميلةٍ. كتابٌ لم أعرفْ أني أحتاجُه لأفهمَ ما اعتقدتُه أمراً مستحيلاً، جملةٌ اعترضتْ حديثي في جلسةٍ فغيّرتْ مساراً اعتقدتُ دوماً أنه طريقي، وفكرةٌ بسيطةٌ قلبتْ موازينَ رأسي وأجبرتني على إعادةِ ترتيبِ أولوياتي. والأجملُ هو ذلكَ الشخصُ الذي لم أسعَ لأن أراهُ يوماً.. فأصبحَ كلَّ حياتي!
معرضُ الكتابِ هو الطقسُ السنويُّ الوحيدُ الذي أمارسُ فيه الاستسلامَ الجميلَ للقدر، بعد أن أصبحَ كلُّ شيء تحتَ السيطرةِ وقابلاً للتوقعِ والتحققِ في عصرِ سلطةِ المالِ والخوارزميات.
أذهبُ إلى معرضِ الكتابِ لأمارسَ فعلاً مقدساً من أفعالِ المقاومةِ ضدَّ هذا الترتيبِ الصارمِ لحياتي.
أذهبُ إلى معرضِ الكتابِ لأتحررَ من قيدِ ما أعتقدُ أنني أريدُه، ليباغتَني الناسُ والأحداثُ والأفكارُ بأشياءَ لم أُفكرْ يوماً كمْ أنا بحاجةٍ إليها.
أذهبُ إلى معرضِ الكتابِ بحثاً عن شيءٍ من الفوضى؛ فأشيرُ بلا غايةٍ واضحةٍ. أقرأُ صفحةً من كتابٍ لم أسمعْ باسمِ كاتبِه يوماً، وأصغي بكلِّ اهتمامي لشخصٍ لا يشبهُني.
أذهبُ إلى معرضِ الكتابِ لأتذكرَ أنَّ المعرفةَ قد تكونُ ارتباكاً جميلاً، أو سؤالاً يصلُ متأخراً، أو شخصاً تعيدُ اكتشافَه.
أذهبُ إلى معرضِ الكتابِ لأعيدُ اكتشافَ نفسي عبرَ صفحاتٍ لم تُكتبْ بعدُ، وأشخاصٍ لم ألتقِهمْ إلا هناكَ، حيثُ تكبرُ أحلامُنا وتصغرُ مخاوفُنا.
أذهبُ إلى معرضِ الكتابِ لأبحثَ عن شيءٍ لا أعرفُ اسمَه، لأني على قناعةٍ بأنَّ أجملَ ما يمكنُ أن نجدَه في الحياةِ، هو ذلكَ الذي لم نكنْ نعرفُ أننا نبحثُ عنه.
أذهبُ إلى معرضِ الكتابِ.. وأدعوكَ للذهابِ.. لنستعيدَ تلكَ الدهشةَ التي نستحقُّها.
إقرأ المزيد


