غادرنا العراق.. لكننا لم نستوعب دروسه
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 أثناء الغزو الأميركي للعراق عام 2003، كنت مقتنعاً بأنه سيؤدي إلى مزيد من الديمقراطية في الشرق الأوسط. لكننا نعرف جميعاً كيف انتهت الأمور. ومنذ ذلك الحين، لم تعد لدي قناعات راسخة بشأن العالم عامة، والشرق الأوسط خاصة. بل إنني لست متأكداً مما ينبغي أن أستخلصه من انسحاب آخر القوات الأميركية من العراق الأسبوع الماضي، وعددها 1500 جندي، من بين أكثر من 1.5 مليون عسكري خدموا هناك خلال انتشار استمر أكثر من 23 عاماً. وبدلاً من إطلاق أحكام متسرعة، لا أملك سوى ذكريات ومخاوف وشكوك.
لقد زرت العراق بانتظام بين عامي 2003 و2011، وحلّلت الأحداث وأعددت التقارير الصحفية، وقدمت الاستشارة أحياناً للقادة العسكريين الأميركيين. وكشفت لي التجربة الثرية كيف تنهار المسلمات السياسية عندما تصطدم بواقع الميدان.
وخلال زيارتي الأولى، رافقت وحدة استطلاع تابعة لمشاة البحرية «المارينز» وتعرضنا لعبوة ناسفة بدائية الصنع. لم يُصب أحد بأذى، لكن الجنود اعتقلوا عراقياً اشتبهوا في مسؤوليته عن التفجير. ووضعه أحد الرقباء في المركبة التي أستقلها، وناولني مسدساً وطلب مني مراقبته بينما ذهب الجنود لإنجاز مهمة أخرى.
وكشفت لي الحادثة مدى النقص في أعداد القوات الأميركية هناك، وضآلة فهمها لما يجري في بلد تولت إدارته فجأة، حتى إنها لم تكن قادرة على التواصل مع سكانه. وكانت تلك أول إشارة إلى أن الغزو لا يسير وفق الخطة الموضوعة.
وخلال السنوات الثلاث التالية، رأيت الأوضاع تتدهور مع مزيد من التفجيرات والفوضى والضحايا. وانتقلت من مركبات «هامفي» غير المدرعة ذات الأسقف القماشية إلى مركبات ضخمة شديدة التدريع، مع تصاعد التهديدات الأمنية. وفي إحدى المرات، انفجرت عبوة ناسفة تحت مركبة «هامفي» أمام مركبتي في الموصل، ثم تعرض الرتل لإطلاق النار بالأسلحة الآلية.
ورغم إعجابي بالجنود الأميركيين، أصبحت أكثر تشككاً في التفاؤل المفرط لقادتهم. فقد كان كل قائد جديد يؤكد أن الوحدة السابقة أخفقت، وأن المؤشرات تتحسن تحت قيادته. لكنني بعد سنوات، أعود إلى القاعدة نفسها، لأسمع التقييمات ذاتها من وحدة جديدة. وأدركت أن الضباط يترددون في الاعتراف بالفشل خشية تحميلهم المسؤولية.
وأدركت أيضاً أن الحفاظ على الوجود العسكري الأميركي الهائل وإمداده وحمايته أصبح غالباً هو المهمة الجوهرية للجيش. وكلما قضيت وقتاً أطول في العراق، زاد إدراكي لتعقيد الصراع وتشابك المصالح العائلية والقبلية والعرقية والدينية والجغرافية والاقتصادية. ولم يعد من السهل تصوير الحرب باعتبارها مواجهة بين «الأخيار» و«الأشرار»، بعدما رأيت حجم الفساد والتجاوزات لدى كثير من حلفائنا في الحكومة العراقية.
ومع تزايد خيبة أملي في الحرب التي أيدتها بحماقة، خشيت أن يؤدي الانسحاب المبكر إلى تسريع الحرب الأهلية الدامية بين الشيعة والسنة التي أشعلها الغزو. لذلك أيدت قرار «زيادة القوات» عام 2007، الذي أضاف 30 ألف جندي، وغير مهمتهم للتركيز على حماية السكان بدلاً من الاكتفاء بملاحقة المتمردين. وانخفض العنف بنسبة 90%.
لكنني عارضت قرار الرئيس باراك أوباما سحب القوات الأميركية عام 2011. وللأسف، ملأ تنظيم «داعش» فراغ السلطة الذي أعقب الانسحاب، واجتاح مناطق في العراق وسوريا، ما استدعى عودة نحو 3 آلاف جندي أميركي عام 2014، لدعم قوات الأمن المحلية، لا لاحتلال البلاد مجدداً.
وتم إنجاز المهمة الآن إلى حد كبير، لكن القوات الأميركية المحدودة ظلت تشكل قوة موازنة للنفوذ الإيراني. وكان من المفترض أن يتزامن انسحابها مع نزع سلاح الميليشيات المدعومة من إيران، وهو ما لم يحدث.
ومن غير الواضح ما إذا كان الإبقاء على قوة أميركية رمزية في العراق يستحق العناء، لكن الأكيد أن الغزو كان خطأ كارثياً كلف واشنطن 1.8 تريليون دولار، وأودى بحياة 4418 أميركياً ومئات الآلاف من العراقيين، من دون تحقيق مكاسب استراتيجية ملموسة. ورغم أن الأوضاع في العراق أفضل بكثير مما كانت عليه قبل عقد، وأصبحت البلاد تنعم بقدر كبير من السلام ويستعيد اقتصادها عافيته، لكن النتيجة الأبرز للحرب كانت ترسيخ النفوذ الإيراني، تماماً كما حذر معارضو الغزو.لقد علمتني التجربة أن أكون أكثر حذراً إزاء قدرة أميركا على تغيير البلدان الأخرى، وأكثر تشككاً في الحروب التي تختار خوضها. والصراع الحالي مع إيران يعزز تلك الدروس. ولم تجعلني حرب العراق أدعو للانعزالية الدولية أو أرفض استخدام القوة، فما زلت أرى أهمية مساعدة أميركا في الدفاع عن الحرية في أوكرانيا. لكنها جعلتني أكثر وعياً بحدود القوة الأميركية وعواقب إساءة استخدامها. وآمل أن يكون القادة الأميركيون قد تعلموا الدروس نفسها، لكنني أخشى أنهم لم يفعلوا، بالنظر إلى قرار الرئيس دونالد ترامب إرسال حاملة طائرات ثالثة إلى الشرق الأوسط.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
* زميل بارز في مجلس العلاقات الخارجية



إقرأ المزيد