جريدة الإتحاد - 10/9/2026 11:18:14 PM - GMT (+4 )
تحمل أوجه التشابه بين أهم طرح عام أولي في عصر الإنترنت، وهو طرح أسهم شركة «جوجل» للاكتتاب العام عام 2004، والاكتتاب العام الوشيك لشركة «أنثروبيك»، التي قد تكون الشركة الأبرز في مجال الذكاء الاصطناعي في عصرنا، دلالات بالغة الأهمية.
وإذا نجحت «أنثروبيك» في بيع أسهمها للجمهور قبل عيد الشكر (26 نوفمبر)، فسيبشر ذلك بظهور شركة جديدة مدرجة في البورصة، كما حدث مع «جوجل» قبل 22 عاماً، وبميلاد صناعة جديدة أيضاً. وتكشف أوجه التشابه بين «أنثروبيك» و«جوجل» في منتصف العقد الأول من الألفية، إلى جانب الاختلافات الجوهرية، مدى التطور الذي شهده وادي السيليكون والمجتمع خلال جيل واحد.
وطُرحت «جوجل» للاكتتاب العام آنذاك بتقييم بلغ 23 مليار دولار، وهو جزء ضئيل من القيمة السوقية لمايكروسوفت التي قاربت 300 مليار دولار. لكن الشركة لم تكن قد تجاوزت عامها السادس. أما «أنثروبيك»، التي تأسست عام 2021، فتسعى إلى تقييم يبلغ تريليوني دولار، وهو أقل من القيمة السوقية لشركتي «إنفيديا» و«آبل»، التي تبلغ نحو 5 تريليونات دولار لكل منهما، لكنه رقم يصعب تصوره بالنسبة لشركة ذات سجل محدود مثل «أنثروبيك».
وتتشابه «جوجل» في بدايتها و«أنثروبيك» الحديثة في مكانتهما داخل سوق ناشئة. فكما لم تكن «أنثروبيك» أول من طرح مساعدها الذكي «كلود»، بعدما عرّف «تشات جي بي تي» السوق بالذكاء الاصطناعي «التوليدي»، دخلت «جوجل» سوق محركات البحث بعد «ياهو». ورغم أن «أنثروبيك» لم تتفوق على «أوبن إيه آي» بالطريقة التي تفوقت بها «جوجل» على «ياهو»، نجح «كلود» في طغيان تأثيره على «تشات جي بي تي»، الذي استأثر بالأضواء لفترة وجيزة.
ويشترك داريو أمودي، المؤسس المشارك، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، مع لاري بيج وسيرغي برين، مؤسسي «جوجل»، في ميلهم إلى الإسهاب في الكتابة. فقد كتب مؤسسا «جوجل»، عند طرح أسهم الشركة للاكتتاب العام، رسالة شهيرة إلى المساهمين المحتملين حذرا فيها من أن «جوجل ليست شركة تقليدية، ولا نعتزم أن نصبح كذلك». أما أمودي، البالغ 43 عاماً، فينشر باستمرار أفكاره حول تأثير الذكاء الاصطناعي في العالم، وكان أحدثها مناشدة من 3800 كلمة لشركات الذكاء الاصطناعي لإبطاء وتيرة عملها.
كان إظهار تصميم «جوجل» على العمل وفق قواعدها الخاصة ميزة استراتيجية، وأثار شعارها «لا تكن شريراً» الانتباه عند طرح أسهمها للاكتتاب العام، قبل التخلي عنه عام 2018. كذلك قدمت «أنثروبيك» نفسها منذ بدايتها كشركة ذكاء اصطناعي تضع السلامة في مقدمة اهتماماتها. وتتمثل مهمتها المعلنة في «التطوير المسؤول للذكاء الاصطناعي المتقدم والحفاظ عليه لتحقيق المنفعة طويلة الأمد للبشرية». وقد يكون حث شركات الذكاء الاصطناعي على التريث صادقاً، وفي الوقت نفسه مناورة لحماية ميزتها التجارية.
كما تتشابه ظروف السوق، فقد خشي قادة «جوجل» عام 2004 من سوق متقلبة بعدما أعلنت «ياهو» نتائج ضعيفة، مما أضعف رغبة المستثمرين لأسهم شركات الإنترنت. أما «أنثروبيك»، التي بدأت اجتماعات مع مستثمرين مؤسسيين محتملين، فتدرس ما إذا كانت ستمضي قدماً في طرح أسهمها رغم تقلبات السوق التي دفعت شركات أخرى إلى تأجيل دخولها البورصة.
وبالطبع هناك اختلافات جوهرية بين «أنثروبيك» و«جوجل». فقد حظي منتج الأخيرة بشعبية واسعة بين المستهلكين الذين لم يدفعوا مقابل استخدامه، بينما تعتمد الأولى على الشركات التي تدفع اشتراكات مقابل إصداراتها المتميزة.
وكانت «جوجل» تحقق أرباحاً هائلة وقت طرح أسهمها، إذ حققت نحو 150 مليون دولار في النصف الأول من عام 2004 وحده، فيما جذب نموذجها القائم على بيع الإعلانات ذات الهوامش المرتفعة المستثمرين. أما «أنثروبيك»، فتكبدت خسارة تشغيلية قدرها 8 مليارات دولار العام الماضي، فيما يستنزف سعيها المتزايد إلى القدرة الحاسوبية أرباحها المحتملة.
وطرحت «جوجل» أسهمها للاكتتاب العام لسبب رئيسي، إذ ألزم قانون للأوراق المالية، عُدل لاحقاً، الشركات التي يزيد عدد مساهميها على 500 بالإفصاح عن نتائجها المالية علناً. ورأت «جوجل» أنه طالما ستكشف تلك المعلومات، فمن الأفضل أن تجني فوائد كونها شركة عامة. أما «أنثروبيك» فتحتاج بشدة إلى تمويل إضافي لاستثماراتها الضخمة في مراكز البيانات، وإذا لم ينجح طرحها، فستجمع مزيداً من الأموال من المستثمرين الخاصين.
ولعل أكبر اختلاف يكمن في المخاطر. وكان قلق «جوجل» الأساسي هو إدارة نموها، ولم يكن نجاح نموذجها في الإعلانات الرقمية على نطاق واسع مسألة تمس المجتمع بصورة جوهرية. أما نجاح «أنثروبيك» وصناعتها بأكملها فينطوي، بحسب اعتراف الشركة، على مخاطر على البشرية. وتحذر الشركة من أن تطوير نماذج ومنصات وتطبيقات متقدمة وتوسيع استخداماتها قد يزيد خطر تسبب نماذجها في أضرار. وتخصص نشرة الاكتتاب، البالغة 261 صفحة، 80 صفحة للمخاطر، مقابل 48 صفحة لوصف أعمال الشركة.
وقد كان اكتتاب «جوجل» نقلة نوعية في الاقتصاد الرقمي. أما الرهانات بالنسبة إلى «أنثروبيك» فهي أعلى بكثير، إذ ليس من المبالغة القول إن أفعالها قد تؤثر في الحضارة كما نعرفها.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
*كاتب متخصص في قضايا لتكنولوجيا
إقرأ المزيد


