رؤية فنلندا لمستقبل أوروبا
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 مع تسارع تفكك النظام الدولي الذي قادته الولايات المتحدة وأوروبا بعد الحرب الباردة، تواجه أوروبا سؤالاً مصيرياً: ماذا سيأتي بعد ذلك؟ فالقارة تعيد تسليح نفسها مع تصاعد الحرب الهجينة بين روسيا وأوكرانيا، بينما يسعى الرئيس دونالد ترامب إلى التقارب مع موسكو وبكين، في وقت لم يكن فيه التحالف عبر الأطلسي أكثر هشاشة.
لكن الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب يراهن على أن التحالف سيتكيف ويستمر، مستفيداً من علاقته بترامب، التي توطدت عبر الجولف، ومن خبرته الممتدة أربعة عقود بين أوروبا والولايات المتحدة. وقال ستوب في سبتمبر الماضي: «لا أعرف متى سيستقر العالم. وبحلول عام 2030، من المحتمل أن نصل إلى نوع ما من النظام الجديد. لكننا الآن في مرحلة انتقالية، وهذا ما يجعل الأمر معقداً للغاية».
وتتسم سياسة إدارة ترامب تجاه أوروبا بالتعقيد، فقد شن حرباً تجارية على حلفائه الأوروبيين، وهدد بالاستيلاء على جرينلاند من الدنمارك، العضو في حلف شمال الأطلسي، فيما تبنى مسؤولون أميركيون كبار، بينهم نائب الرئيس جيه دي فانس، توجهات حركات يمينية متشددة في أوروبا، منها حزب «البديل من أجل ألمانيا» وحزب «فيدس» الذي يتزعمه رئيس الوزراء المجري السابق فيكتور أوربان. وفي الوقت نفسه، تطالب واشنطن الأوروبيين بتحمل نصيب أكبر من مسؤولية الدفاع عن قارتهم ومساعدة أوكرانيا.
وسط ذلك، أقام «ستوب» علاقات عمل مع ترامب وصهره ومبعوثه جاريد كوشنر ومسؤولين أميركيين كبار. وأصبح مع رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره من حلقات الوصل في جهود واشنطن الدبلوماسية بشأن أوكرانيا، رابطاً بين الأميركيين والأوكرانيين والأوروبيين. ويدعو ستوب إلى وقف إطلاق النار عند خط التماس الحالي، يعقبه إجراء محادثات سلام، بالتزامن مع زيادة الدعم لأوكرانيا.
وفي أغسطس الماضي، عُثر على طائرة مسيّرة تحمل عبوة ناسفة في مطار لايبزيغ/هالهش بألمانيا، وحذر رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك في سبتمبر الماضي من أن موسكو تخطط لشن ضربات بالطائرات المسيّرة والصواريخ على أراضي حلف شمال الأطلسي، ثم وصفها بأنها حوادث. ومع سقوط أربع طائرات مسيّرة في فنلندا هذا العام، لا يرى ستوب تهديداً عسكرياً روسياً مباشراً لبلاده، ويدعو إلى الهدوء والتعامل مع الحملة الروسية على المدى الطويل.
ويربط «ستوب» جهوده لتعزيز العلاقات الأميركية الفنلندية بسنوات دراسته في غرينفيل بولاية ساوث كارولاينا، حيث التحق بجامعة فورمان عام 1989 ولعب الغولف. وهناك نشأت صداقته بالسيناتور ليندسي جراهام، الذي عرفه بترامب في فبراير 2025. وفي الشهر التالي، شارك الثلاثة، إلى جانب أسطورة الغولف غاري بلاير والنائب السابق في الكونجرس تري غاودي، في بطولة للغولف بنادي ترامب الدولي في ويست بالم بيتش بفلوريدا، وفازوا بها. وكتب ترامب عن ستوب: «إنه لاعب جيد جداً»، ومنذ ذلك الحين توطدت صداقتهما.
وعزز ستوب العلاقة عبر مشروع كاسحات الجليد القطبية، التي تنتجها فنلندا وتحتاج إليها أميركا. ويقول إن روسيا تمتلك 42 كاسحة جليد، مقابل ثلاث لدى خفر السواحل الأميركي. وفي أكتوبر 2025، وقّع ترامب وستوب اتفاقاً لبناء ما يصل إلى 11 سفينة جديدة للأمن في القطب الشمالي، أربع منها في أحواض بناء السفن الفنلندية، بتكلفة تقديرية تبلغ 6.1 مليار دولار، على أن تُسلّم أول سفينة في 2028. وكان ترامب مهتماً شخصياً بالمشروع، واتصل بستوب في أوقات غير معتادة لمناقشته. وخلال لقائهما في نيويورك الشهر الماضي، تحدثا عن الغولف وكاسحات الجليد.
ويرى جيمس كرابتري، الزميل البارز في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، أن ستوب، إلى جانب الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته، ووزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي، من القادة الأوروبيين الذين يسعون للحفاظ على تماسك العلاقة عبر الأطلسي. ويقول إن أفضل سيناريو لأوروبا هو إعادة توازن منظمة داخل الحلف، بحيث يقلل الأميركيون انخراطهم تدريجياً ويزيد الأوروبيون دورهم من دون ترك أي فجوات أمنية.
لكن شخصيات مقربة من ترامب تواصل التعاون مع حركات يمينية أوروبية تتبنى مواقف مؤيدة لروسيا. وفي فرنسا، أعلن ترامب وفانس دعمهما لمارين لوبان، التي حصلت على الضوء الأخضر لخوض الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل المقبل.
لذلك تتخذ فنلندا وأوروبا عموماً إجراءات تحوطية. وأشار ستوب إلى الاتفاقات التجارية الجديدة مع الهند وأميركا الجنوبية، وتعميق التعاون مع دول الخليج، باعتبارها أمثلة على تنويع الخيارات الجيوسياسية. وقال: «لأننا نعيش في عالم يسوده الاضطراب، بل يكاد يكون عالماً من الفوضى، فعليك أن تتعامل مع اللعبة وفقاً لقواعدها».
أما أميركا التي عرفها ستوب في غرينفيل خلال تسعينيات القرن الماضي، فكانت قد خرجت منتصرة من الحرب الباردة، وتؤمن بأن قيمها وتحالفاتها مصدر قوتها. فهل ستواصل أميركا ما بعد ترامب الدفاع عن تلك القيم والتحالفات؟ من أجل أمن أوروبا والولايات المتحدة، فلنأمل ذلك.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
*كبير محللي الأمن العالمي في «واشنطن بوست إنتليجنس»



إقرأ المزيد