حرب إيران ومحدودية القدرات العسكرية الأوروبية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

يواجه الاتحاد الأوروبي بعض الإحباطات ذاتها التي يواجهها الرئيس دونالد ترامب في حربه ضد إيران، إذ يبدي القادة الأوروبيون تردداً أو عجزاً فعلياً عن تقاسم الموارد العسكرية، حتى فيما بينهم.
وقد أُخرجت بعض الموارد العسكرية من الخدمة لأسباب خارجة عن سيطرة الولايات المتحدة وحلفائها. واضطرت وزارة الحرب الأميركية، مثلاً، إلى سحب قاذفاتها بعيدة المدى من طراز «بي-1» من قاعدة «فيرفورد» التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، على بُعد نحو 100 ميل غرب لندن، منذ عدة أيام، وذلك على خلفية مؤامرة إرهابية.
وفي البحر الأحمر، كثّف «الحوثيون» المتحالفون مع طهران هجماتهم على السفن التجارية الأوروبية العابرة لمضيق باب المندب. وتزداد أهمية هذا الممر الاستراتيجي مع تعطّل الملاحة عبر مضيق هرمز بسبب الحرب، بعدما كان يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية.
وأطلقت فرنسا واليونان وإيطاليا عام 2024 عملية «أسبيدس»، وهي مهمة بحرية لحماية المصالح الأوروبية وممرات التجارة في البحر الأحمر، بما يشمل مرافقة السفن التجارية. لكن اتساع الصراع وتجدُّد هجمات «الحوثيين» زادا الضغوط على أوروبا للتحرك، في وقت تعاني فيه قواتها البحرية من ضعف ناجم عن تخفيضات الإنفاق الدفاعي.
ويقول إدوارد بي. جوزيف، الباحث البارز في معهد السياسة الخارجية بواشنطن، إن أوروبا بدت على مدى أشهر غير مستعدّة للتحرك في الشرق الأوسط. لكن ارتفاع أسعار الوقود وتزايد المصالح المهددة يدفعان أوروبا بشكل متزايد لاتخاذ إجراءات، منها استخدام «الضغط النفسي» على طهران لدفعها إلى التفاوض.
وبعد اندلاع الحرب بوقت قصير، بدأت فرنسا وبريطانيا تشكيل قوة متعددة الجنسيات لتأمين مضيق هرمز، على أن تنتشر بمجرد انتهاء الحرب. وانضمت إلى المبادرة أكثر من 20 دولة. عقدت القيادة العليا لقوات الحلفاء في حلف شمال الأطلسي «ناتو»، في أغسطس، اجتماعاً لدول حليفة لبحث مساهماتها المحتملة في حماية حرية الملاحة.
وفي المقابل، انتقد وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروزيتو، الشهر الماضي، ضعف مساهمات الدول الأوروبية في عملية «أسبيدس»، قائلاً إن إيطاليا واليونان هما الدولتان الوحيدتان اللتان تدعمان الجهود فعلياً، وإن المهمة تحتاج إلى مزيد من السفن. كما طالبت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، الدول الأعضاء السبع والعشرين بتوفير موارد إضافية لضمان دعم المهمة بما لا يقل عن 10 سفن.
ويتعقّد الوضع بسبب تنافس عمليتين على الموارد البحرية الأوروبية، فإلى جانب «أسبيدس»، شكّلت فرنسا وبريطانيا مبادرة منفصلة متعدد الجنسيات لإزالة الألغام وتأمين مضيق هرمز. ولا يمتلك الاتحاد الأوروبي أسطولاً حربياً مشتركاً، بل يعتمد على تطوع الدول الأعضاء بسفنها، ولا تملك بعض الدول الصغيرة سوى سفينة حربية واحدة. أما الدول الحبيسة، مثل النمسا والمجر، فلا تمتلك سفناً حربية، في حين تفتقر القوات البحرية في مالطا وقبرص وإيرلندا إلى الفرقاطات والمدمرات اللازمة لمرافقة السفن في البيئات عالية الخطورة.

ويرى الأميرال المتقاعد مارك مونتغمري، الباحث البارز في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وهي مركز أبحاث في واشنطن، أن الجهود المبذولة في إطار مهام مثل عملية «أسبيدس» تُمثّل خطوة في الاتجاه الصحيح. ويقول إن مشاركة القوات البحرية الأوروبية في المهمة «ستخفف العبء عن البحرية الأميركية، بما يتيح لها تكريس مزيد من الجهود في مضيق هرمز».
لكن مونتغمري يضيف أن قدرة أوروبا على تولي مهام أخرى تظل مقيدة بسبب «الحالة المتردية للغاية» لقواتها البحرية، التي تحمّلت تاريخياً النصيب الأكبر من تداعيات تقليص الإنفاق الدفاعي.
ومع ذلك، يقول جوزيف إن بإمكان أوروبا اتخاذ خطوات في الوقت الراهن، من بينها إنشاء ما يُعرف رسمياً باسم «أسطول قائم»، وهو نهج بحري تقليدي يستند إلى الاستفادة من «الخوف الواضح» الذي تبديه إيران من احتمال انجرار أوروبا إلى الحرب.
ويعني ذلك إبقاء السفن الأوروبية في الموانئ أو بالقرب منها، مع الحفاظ على جاهزيتها للتدخل إذا اقتضت الضرورة. ويوضح جوزيف أن هذا التموضع من شأنه أن يبعث برسالة مفادها أن أوروبا تملك قدرة محتملة، لكنها منضبطة، على شن هجوم أو الرد عليه. وبذلك، تستطيع أوروبا تعزيز نفوذها من خلال زيادة حالة عدم اليقين في طهران، ورفع مستوى الثقة في سلامة الملاحة عبر مضيق هرمز.ويقول جوزيف إن إيران تتوخّى الحذر في مهاجمة حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين خشية جرهم إلى الحرب. فإغراق سفنهم قد يستدعي تفعيل المادة الخامسة من معاهدة «الناتو»، التي تعتبر الهجوم على أحد الأعضاء هجوماً على الجميع. ويجادل بأن ذلك سيسمح «باستغلال خوف إيران من انخراط تلك الدول في الحرب إلى جانب الولايات المتحدة»، مؤكداً أن «هذه هي نقطة الضعف الإيرانية». 


*صحفية متخصصة في الأمن العالمي 
يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»



إقرأ المزيد